شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٠
فلا الماضي في الماضي و لا لمستقبل في المستقبل لأنه يعود التقسيم السابق.
أجيب: بأن الموجود في أحد الأزمنة [١] أخص من مطلق الموجود، و كذب الأخص لا يستلزم كذب الأعم، فإن قيل إذا انحصر العام في عدة أمور كل منها معدوم كان معدوما بالضرورة، و لذا قالوا لا وجود لجميع الحركات الماضية من الأزل و إلا فإما في الماضي أو المستقبل أو الحال و الكل محال.
أجيب: بمنع الانحصار، فإن من الموجودات ما لا يكون في شيء من الأزمنة كالزمان، و إنما ذلك فيما يكون زمانيا كالحركة.
نعم يتم انحصار الزمان في الثلاثة بل في الماضي و المستقبل لكن وجودهما في نفسهما لا يستلزم وجودهما في زمان.)
قال: المبحث الثاني في الزمان.
احتج المتكلمون على نفيه بوجوه:
الأول: لو وجد لكان بعض أجزائه متقدما على البعض، للقطع بأنه ليس أمرا قار الذات مجتمع الأجزاء، بحيث يكون الحادث الآن حادثا يوم الطوفان [٢] بل لو وجد لم يكن إلا أمرا متقضيا متصرما يحدث جزء منه بعد جزء،
[١] زعم المتكلمون: أن الزمان أمر اعتباري موهوم، و عرفه الأشاعرة بقولهم: إنه متجدد معلوم يقدر به متجدد آخر موهوم.
و قال الرازي في المباحث المشرقية: إن للزمان كالحركة معنيين أحدهما أمر موجود في الخارج غير منقسم، و هو مطابق للحركة و ثانيهما أمر متوهم لا وجود له في الخارج.
[٢] يوم الطوفان: هو اليوم الذي غرق فيه قوم نوح قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ (سورة العنكبوت آية ١٤) و الطوفان: المطر الغالب، و الماء الغالب يغشى كل شيء و قيل هو الموت الذريع الجارف، و قيل السيل، و قيل القتل الذريع، و قيل الطوفان من كل شيء ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة، و قيل كل حادثة تحيط بالإنسان ثم صار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة و قال الأخفش الواحد في القياس طوفانه و أنشد:
غير الجدة من آياتها خرق الريح و طوفان المطر و طوف تطويفا أكثر من الطوفان قال الشاعر:-
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع