مهدي الامم (عجل الله تعالى فرجه) - عبد الله الحسن - الصفحة ٣٧٢
كما أن نبي الله نوحاً عليه السلام لم يدع على قومه الكفار إلا بعد يأسه من عقب مؤمنة منهم، وعلم عدم وجود ذرية صالحة في أصلابهم، وعندئذ دعا عليهم بقوله عليه السلام: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}[١].
وعليه، فلو لم يكن لقعود النبي أو الإمام عن قتال أعدائهم، ولا لصبرهم على مكاره الدهر وأذايا الكفار، أو لغيبتهم واختفائهم عن الأبصار حكمة ولا مصلحة سوى ذلك لكفى به موجباً وسبباً للصبر عن الأعادي، وإمهالهم في الحياة الدنيوية، فضلاً عما لو انضم إلى ذلك مصالح أخرى، وموجبات خفية غيرها مكنونة في علمه تعالى.
ولذلك كله ترى كثيراً من الأنبياء قد اختفوا دهراً طويلاً عن كفار قومهم، وهربوا وغابوا مدة متمادية عن أشرار أممهم، ألم يغب يونس النبي عن أمته عشرين سنة حتى تضايقوا بغيبته في المأكل والمشرب، وأشرفوا على الهلاك؟ وهل أتاه القدح أو أصابه النقص في نبوته من غيبته؟ أو هل يتوجه عليه بذلك اعتراض بعد العلم والتسالم على كونهم معصومين من كل خطأ ومعصية؟ وأنهم لا يأتون بحركة ولا سكون إلا بأمر ربهم تعالى، وأنهم {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}[٢].
ومن هنا يعلم أن اعتراضات بعض النصاب الملحدين على الفرقة الإمامية في اعتقادهم، واتفاقهم على وجود هذا الإمام الثاني عشر وغيبته عن الأنظار، وانتقادات أولئك المنافقين على تلك الفرقة المحقة من وجوه شتى لم تنشأ إلا من الجهل والعناد، أو من التعامي والإلحاد، وأن عمدة ما نهقوا به في مقام الاعتراض
[١] سورة نوح، الآية: ٢٦- ٢٧.
[٢] سورة الأنبياء، الآية: ٢٦- ٢٧.