مهدي الامم (عجل الله تعالى فرجه) - عبد الله الحسن - الصفحة ١٦
وقالت عائشة لابن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راعٍ، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً، فإني أخشى عليهم الفتنة[١].
فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لو استخلفت؟ قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب، تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلاً حتى يرجع؟[٢].
وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد، ويقول: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها![٣].
ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لِمَ أهملته الأمة في استخلاف النبيّ الأعظم واتهمته بالصفح عنه؟ أنا لا أدري، ولا يجوز أيضاً توكيل الأمر إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم، لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفاً بشرايط بعضها من النفسيات الخفية، والملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر كالعصمة والقداسة الروحية، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات، والعلم الذي لا يضل معه في شيء من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها، {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ
[١] الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ٢٨.
[٢] الطبقات الكبرى، ابن سعد: ٣ / ٣٤٣، المعجم الأوسط، الطبراني: ٢/ ٨٤.
[٣] تاريخ الطبري: ٤/ ٢٢٦، الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ١٥٩.