مهدي الامم (عجل الله تعالى فرجه) - عبد الله الحسن - الصفحة ١٥
وتفسير المعضل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال دون التأويل كما يقاتل النبيُّ دون التنزيل، وإظهار ما لم يتسن للنبيِّ الإشادة به إما لتأخر ظرفه، أو لعدم تهيأ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه، بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلّمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهّل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة، وبما أن أيّ نبيّ لم ينط عمره بمنصرم الدنيا، ولا قدّر له البقاء مع الأبد، وللشرايع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمداً لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كلّ منهما نفوس لم تكمل بعد، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف، والواجب عليه سبحانه شرع سواء، فيجب عليه جلّت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه، ويدرء عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه.
ومهما كان للمولى جلّت مننه عناية بعبيده، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبأ الثقيل، ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها، فينص عليه بلسان ذلك النبيّ المبعوث، ولا يجوز أن يخلي سربهم، ويتركهم سدى، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرّط - لرأيت أن قد ضيّع - ورعاية الناس أشد من رعاية الإبل والغنم، ماذا تقول لله عزَّ وجلَّ إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟![١].
[١] صحيح مسلم: ٦/ ٥، السنن الكبرى، البيهقي: ٨/ ١٤٩، سيرة عمر، ابن الجوزي: ١٩٠، المصنف، الصنعاني: ٥/ ٤٤٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٧٧.