موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٨١
فسار الرجل ونزل في بعض بيوت المدينة ، وأرسل إلى جعدة سرّاً ، فأتت إليه ، فدفع لها المال والكتاب الذي من عند معاوية ، فسرّت بذلك سروراً عظيماً ، وكانت على رأي أبيها من بغض علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وعلمت أنّ أباها هو الذي أشار على معاوية بذلك ، فما زالت تتربّص به الغرّة ، وتنتهز فيه الفرصة والغفلة حتّى كانت ليلة من الليالي ، قدم (عليه السلام) إلى منزله ، وكان صائماً في يوم صائف شديد الحرّ ، فقدّمت إليه طعاماً فيه لبن ممزوج بعسل قد ألقت فيه سمّاً ، فلمّا شربه أحسّ بالسمّ ، فالتفت إلى جعدة وقال لها : " قتلتني يا عدوّة الله قتلك الله ، وأيم الله لا تصيبين منّي خلفاً ، ولقد غرّك وسخر بك ، فالله مخزيه ومخزيك " .
ثمّ إنّه (عليه السلام) لزم البيت ، وألزم نفسه الصبر ، وسلّم لله الأمر ، فاشتدّ الأمر عليه ، فبقي طوال ليلته فأكبّ عليه ولده عبد الله ، وقال له : يا أبت هل رأيت شيئاً فقد أغممتنا ؟
فقال (عليه السلام) : " يا بني هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها " ، ثمّ قال : " افرشوا لي في صحن الدار ، وأخرجوني لعلّي أنظر في ملكوت السماوات " ، ففرش له في صحن الدار وأخرج فراشه ، فدخل عليه أخوه الإمام الحسين (عليه السلام) فرآه متغيّراً وجهه ، مائلاً بدنه إلى الخضرة ، فقال له الحسين (عليه السلام) : " بأبي أنت وأُمّي ما بك " ؟
فقال له : " ... إنّي قد سقيت السمّ مراراً ، فلم اسق مثل هذه المرّة " !... ، فقال : " يا أخي من تتهم " ؟ فقال : " وماذا تريد منه " ؟ فقال : " لأقتله " ، فقال : " إن يكن الذي أظنّه فالله أشدّ نقمة منك وأشدّ تنكيلاً ، وإن لم يكن فما أحبّ أن يؤخذ بي بريء " .
ثمّ إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) بكى لما رأى من حال أخيه ، فقال له الحسن (عليه السلام) : " أتبكي يا أبا عبد الله ، وأنا الذي يؤتى إليّ بالسمّ فأقضي به ، ولكن لا يوم كيومك ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل ، يدّعون أنّهم من أُمّة جدّك فيقتلونك،