شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٦٣ - فصل سياق آخر لقصة الحديبية و عمرة القضية
ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة، فلما كان في سنة ست من الهجرة- أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) غزا تسع عشرة غزوة، و أنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة، لم يحج بعدها: حجة الوداع، قال أبو إسحاق: و بمكة أخرى.
قال الحافظ ابن كثير في تاريخه: هذا الذي قاله أبو إسحاق من أنه (صلى الله عليه و سلم) حج بمكة حجة أخرى إن أراد أنه لم يقع منه إلّا حجة واحدة- كما هو ظاهر لفظه- فهو بعيد، فإنه (صلى الله عليه و سلم) كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج، و يدعو الناس إلى اللّه و يقول: من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي عزّ و جلّ، حتى قيض اللّه له جماعة يلقونه ليلة العقبة- أي: عشية يوم النحر- عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، و هي ثالث اجتماعهم به، ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة. اه.
و قال الحافظ في الفتح: اقتصار أبي إسحاق على قوله: أخرى، قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلّا واحدة، و ليس كذلك، بل حج قبل أن يهاجر مرارا، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج قط، لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، و إنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، و إذا كانوا و هم على غير دين يحرصون على إقامة الحج و يرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي أنه يتركه؟ قال: و قد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، و أن ذلك من توفيق اللّه له، و ثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. اه.
قوله: «ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة»:
أي: مهاجرا.
قوله: «فلما كان في سنة ست»:
و هو قول الجمهور، قاله الحافظ في الفتح، غير أنه ذكر قوله: وَ أَتِمُّوا الْحَجَ-