شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٣٩ - فصل في الدلائل التي يستدل بها على نبوته (صلى الله عليه و سلم)
أما الوجه الثالث من آياته: فالأخبار في الكتب المتقدمة قبل مبعثه شاهدة لتصديقه و ناطقة بنعوته، و مبينة عن صفاته بما وجدت حقيقة ذلك كله فيه، و تلك الأخبار ضربان:
أحدهما: ما وجد في الكتب المنزلة من السماء مثل التوراة و الإنجيل و الزبور و غيرها من كتب شعيا و دانيال.
الضرب الثاني: ما وجد من قبل الكهان و المنامات، و ما روي من حديث سطيح و شق و ما أشبه ذلك.
و أما الوجه الرابع: فإخباره عن الحوادث و الكوائن التي تكون بعده:
مثل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ الآية، و مثل قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ الآية، و مثل قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية، و مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ الآية، و مثل قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا الآية، و مثل قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ الآية، و ما أشبه ذلك من الآيات.
و من هذا الضرب أيضا: دعواته (صلى الله عليه و سلم) التي لم تخلف قط، كقوله (صلى الله عليه و سلم) في دعائه لأنس بن مالك: اللّهمّ أكثر ماله و ولده، و كقوله للعباس بن عبد المطلب: لا يفضض اللّه فاك، و كذلك في النابغة الجعدي، فكانت أسنانه تزف زفيفا على كبر سنه، و مات و لم ينفض له سن، و دعائه (صلى الله عليه و سلم) على قريش بالقحط، و على كسرى أن يمزّق ملكه، و على عتبة بن أبي لهب و أبي جهل، و ما أشبه ذلك.