شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٣٨ - فصل في الدلائل التي يستدل بها على نبوته (صلى الله عليه و سلم)
و أما الوجه الثاني: و هو ما يستدل بالظاهر من أمره على الخفي:
فهو ما وجد فيه من الفضائل و المعالي و المكارم و الأخلاق الحسنة الشريفة التي لم تجتمع مثلها في واحد قط ثم يكون مع ذلك كذابا، أ لا ترى إلى قول ابن سلام: أتيت المدينة حين قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) فوجدت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قائما يقول: يا أيها الناس أفشوا السلام و أطعموا الطعام و ألينوا الكلام و صلّوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب.
و كان أكثم بن صيفي- و هو من حكماء العرب، عاش ثلاثمائة و ستين سنة، و لم يكن أحد من العرب يفضل عليه في الحكمة-، لمّا سمع برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعث إليه ابنه و كتب إليه كتابا، فأجابه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن كتابه، فلما ورد عليه ابنه بالكتاب قال لابنه: ما رأيت؟ قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق و ينهى عن لئامها، يدعو إلى أن يعبد اللّه وحده لا شريك له، و يأمر بخلع الأوثان، فقال: قد علم ذو الرأي و العقل أن الفضل فيما يدعو إليه، فكونوا في أمره أولا، و لا تكونوا آخرا، و اتبعوه تشرفوا، و أتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين، فإني و اللّه أرى أمرا ليس بالهين، لا يترك مصعدا إلّا صعده، و لا مضربا إلّا ضربه، و لينفرن بالمقيم، إن الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في العقل حسنا، و إني و اللّه أرى أمرا لا يتعبه ذليل إلّا عز، و لا يخالفه عزيز إلّا ذل، اتبعوه تزدادوا مع عزكم عزا.
قوله: «أ لا ترى إلى قول ابن سلام»:
خرجناه في باب صفة أخلاقه (صلى الله عليه و سلم)، و في باب مقدمه (صلى الله عليه و سلم) المدينة.
قوله: «فأجابه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)»:
تقدم ذلك في أول الكتاب.