شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٣٠ - فصل في ما جاء في آخر خطبة خطبها النبي (صلى الله عليه و سلم)
..........
- حتى جلس على أسفل مرقاه من المنبر و ثاب الناس إليه فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون عليّ الموت كافة استنكارا منكم للموت، و ما تنكرون من موت نبيكم؟! أ لم أنع لكم و تنعى لكم أنفسكم؟ هل خلد نبي قبلي ممن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق و إنكم لاحقون به، و إني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا و أوصي المهاجرين فيما بينهم، و إن اللّه عزّ و جلّ قال: وَ الْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ٢- إلى آخرها-، و إن الأمور تجري بإذن اللّه تعالى، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن اللّه عزّ و جلّ لا يعجل بعجلة أحد، و من غالب اللّه غلبه، و من خادع اللّه خدعه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٢٢، و أوصيكم بالأنصار خيرا فإنهم الذين تبوؤا الدار و الإيمان، أن تحسنوا إليهم، أ لم يشاطروكم الثمار؟ أ لم يتوسعوا عليكم في الديار؟ أ لم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم، ألا و لا تستأثروا عليهم، ألا و أنا فرط لكم و أنتم لاحقون بي، ألا و إن موعدكم الحوض حين أعرض مما بين بصرى و الشام و صنعاء اليمن فصب فيه ميزاب الكعبة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، و ألين من الزبد، و أحلى من الشهد، من يشرب منه لم يظمأ أبدا، حصباؤه اللؤلؤ، و بطحاؤه في مسك، من حرمه في الموقف غدا حرم الخير كله، ألا فمن أحب أن يرد عليّ غدا فليكفف يده و لسانه إلّا مما ينبغي.
و قد أخرج طرفا منه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك و ابن عباس، فأخرج في مناقب الأنصار من حديث هشام بن زيد عن أنس قال:
مر أبو بكر و العباس رضي اللّه عنه بمجلس من مجالس الأنصار و هم يبكون فقال:
ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي (صلى الله عليه و سلم) منا، فدخل على النبي (صلى الله عليه و سلم) فأخبره بذلك، قال: فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد-