العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٢ - أدلّة عقلية الحسن و القبح و تكوينيته
البرهان الأول: الوجدان و الفطرة، فإن الذين ينفون الحسن و القبح العقليين هم في يومياتهم يضطرون و يتعاملون بهما، فينفرون من القبيح و ينجذبون إلى الحسن كشي نابع من فطرتهم فينكرونهما بلسانهم و يبنون عليهما في أعمالهم للفطرة. و فطرتهم مرتكزة عليه، و هذا نوع من المكابرة مع الوجدان.
و لذا ترى ابن سينا كلماته متهافتة، ففي الشفاء يذكر أن كل أو أكثر ما بأيدي الناس من الحسن و القبح، حق يقام عليه البرهان، و في عبارة أخرى لديه في مبحث النفس من الإشارات من النمط الثالث يذكر بأن العقل العملي قضاياه إما أوليات أو مشهورات أو مظنونات، و إذا كان العقل العملي بعض قضاياه أولية و لو موجبة جزئية فيلزمه رجوع قضاياه إلى قضايا بديهية يمكن اقامة البرهان عليها، و إذا كانت حصة من قضايا العقل العملي أوليات فيبطل اطلاق القول بأنها مشهورات لا واقع لها تطابقه، فالأوليات تعني بديهية و قضايا العقل العملي تعني المشتملة على ما ينبغي فعله و الذي لا ينبغي فعله ... و هذا واضح.
و كذلك في منطق الشفاء يعرّف المشهورات بأنها لا واقع وراءها تطابقه و إذا كانت المشهورات كذلك فكيف ينسجم مع القول بأن بعض قضايا أقيسته التي ينبغي فيها العمل أو لا ينبغي أوليات يعني بديهيات، في حين أنه جعل الصنف الأول من المشهورات الحسن و القبح بمعنى المدح و الذم مما ليس لها واقع ما ورائه تطابقه، و الأوليات لها واقعية وراء تطابق آراء العقلاء لا باعتبار المعتبر.
تدافع آخر: قال ابن سينا: يمكن اقامة البرهان على قضايا العقل العملي و لو بنحو الموجبة الجزئية و ضابطة البرهان أن ترجع القضايا النظرية إلى البديهية- و إذا كان قياس البرهان للاستدلال هو من القضايا النظرية أي كلتا المقدمتين نظرية و النتيجة نظرية- فلا بد أن ترجع المقدمتان في نهاية المطاف إلى البديهية.