العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤٨ - أدلة المنكرين للتحسين و التقبيح العقليين
نوعا من الغضب العقلي و نوعا من تحريك للقوى الحيوانية المادون بتوسط العقل العملي كما يمثل بقوله تعالى: وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ حيث يتساءل لم عبّر عزّ و جلّ ب «سكت» إذ السكوت مقابل النطق و السكون مقابل الحركة، و الحيوان يذكر في تعريفه الماهوي أنه الجسم النامي المتحرك بالارادة و أما في تعريف الإنسان يذكر أنه الناطق، فالنطق و السكوت خاصة الإنسان، أما الحركة و السكون خاصة مطلق الحيوان فلذا عبّر في الآية بسكت، لأنه مقابله النطق و لم يعبّر بالسكون الذي هو مقابله الحركة و هذا يدل على أن غضب موسى لم يكن غضبا حيوانيا، بل هو غضب ناشىء من القوى العاقلة، و كذا قول أمير المؤمنين عليه السّلام حين ما هجم جيش معاوية على امرأة في أطراف العراق و قال: «فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذه أسفا ما كان به ملوما» [١] هذا ليس انفعالا حيوانيا و إنما انفعال عن قوة عاقلة.
و تبيان ذلك تحليلا أنه إذا ادركت قوة العقل النظري ثم تابعتها قوة العقل العملي فيما تدركه مما ينبغي فعله أو لا ينبغي، و كانت القوى الحيوانية المادون مطيعة إلى إمارة و سلطة قوة العقل العملي، فلا تكون حركات القوى الحيوانية، حركات حيوانية و إن كانت هي قوة حيوانية لكنما منبعثة من العقل العملي و هذا كمال الإنسان و لذلك ورد «يغضب للّه لا لنفسه».
و كذلك حال الكمّلين و تكاملهم في خضوع قواهم المادون إذا كانت ادراكية أو عمّالة لما فوقها إلى أن يصل إلى قوة العقل النظري. و كذلك كمال و تمام العقل النظري هو كونه مدركا خاضعا للعوالم العلوية، و تلك العوالم كذلك إلى أن تصل إلى عوالم الربوبية فتكون حينئذ مشيئة الكامل مشيئة إلهية، لأن مشيئته في القوى المادون تتلقى من العوالم الربوبية و هكذا تتنزل المشيئة الإلهية، و إلا فليس في الربوبية غضب حيواني و إنما غضب اللّه بغضب أوليائه و رضاه برضا أوليائه. لأن منبعث رضاهم القوى العقلية
[١] الخطبة: ٢٧.