العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٥ - مناقشة العلّامة في نظريته في الاعتبار
القضية غير البتية الملازمة فيها حقيقية و إن لم يكن لطرفيها (تعدد الآلهة و الفساد) وجود.
و يلاحظ على النقطة الثانية: إن ما ذكره من عدم تولد الإرادة من العلم بالوجود الخارجي الحالي صحيح جدا للسبب الذي ذكره.
و لكنا نختلف معه تماما في أن الإرادة تتولد من الادراك الوهمي، و إنما الصحيح أن الإرادة تنطلق دائما و أبدا من قضية حقيقية تحكي عن وجود و كمال استقبالي تقديري ... و لا تتولد من الادراكات الوهمية و الخيالية مع التفات المدرك المركب إلى أن إدراكه وهمي أو خيالي.
و بتعبير آخر: إن الإرادة لا تنبثق في الإنسان من النسبة الاعتبارية، كذا لا تنبثق من النسبة الخارجية بالفعل و إنما من النسبة الواقعية الحقيقية التي لا تنوجد إلا في المستقبل.
نعم مع جهله المركب بطبيعة علمه، و أنه وهمي يمكن أن تحصل الإرادة و لكنها حصلت على أساس أن الغاية حقيقية واقعية و لكنها تقديرية لم تتحق بعد ...
و لتوضيح الفكرة أكثر نقول: إن الإرادة تصبو دائما- بحكم التصميم الفطري للإنسان المبرهن عليه عقلا و نقلا- لايجاد الأفعال التي فيها كماله، و تجنب الأفعال التي فيها نقصه ... و لكن كل ذلك على شرط العلم المسبق بالكمال و النقص، و كثير من الأفعال يتوهم الإنسان أو يتخيل خطأ أن فيها كماله من دون أن يلتفت إلى ذلك ...
و من ثم يقع في الانحراف ... و تنطلق الإرادة في هذه الحالة لتحقيق كماله أيضا و لكنه كمال القوة الشهوية أو الغضبية لا كمال العاقلة، فتجد أن الإنسان يتجنب الصوم بحجة أنه نقص، و لكنه لم يلتفت إلى أنه نقص في كمال قواه الدونية لا العاقلة.
و من هنا تتبلور واحدة من أهم الأسباب إلى ضرورة الدين، حيث إنه يؤمّن للإنسان فهما و تشخيصا صحيحا لمصاديق و موضوع الكمال.