العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨ - فوارق أخرى لمذهب ابن سينا مع من تقدمه من الفلاسفة
كلام ابن سينا كما سيأتي و قد تحملها الأشعري فرارا مما استدل به المعتزلة على الحسن و القبح و سيأتي الإشارة إليه. و إن الأشعري قد اقتبس ذلك من ترجمة كتب سفسطية اليونان الذين باحثهم و جادلهم بالبرهان سقراط.
الثالث: إن التعريف الدارج عند الحكماء لمواد القضايا من قمم المشهورات و هو: «كل قضية تطابقت عليها آراء العقلاء و توافق حكمهم بها» من دون أخذ قيد زائد و لذلك ذكر الفارابي و من قبله أن كل البديهيات داخلة في المشهورات لقضاء عقل كل العقلاء بها، بينما أضاف ابن سينا قيدا آخر للتعريف و هو: «و لا واقع لها وراء تطابقهم» و لا يخفى مدى تأثيره في البراهين.
الرابع: إن قوة العقل العملي عند الحكماء و قبله قوة ادراكية عمالة، بينما ذهب هو في عدة مواضع من كتبه إلى أنها قوة ادراكية محضة، غير عمالة. فمن ثم صعب عليه تفسير حكمية الأفعال الجزئية الصادرة عن النفس و الجوارح، أي امتنع عنده برهنة تطابق الفعل الجزئي الخارجي للقضايا الحقيقية، و انتفى لديه ميزان عاصم للعمل عن الخطأ، و هذا أمر بالغ الخطورة في علم الحكمة و المعارف و بمنزلة سدّ باب نصف الحكمة و باب نصف المنطق و باب نصف المعارف، مع أنه خالف نفسه في الأنماط الثلاثة الأخيرة في كتاب الإشارات، حيث توخى حكمية و عرفانية سلوك الإنسان. و لو قدّر أن هذا الشق من الحكمة و المنطق كان مفتوحا كما كان عليه الأقدمون من الحكماء، لكانت البحوث و المسائل الحكمية غير ما هي عليه الآن من ثراء التحقيق و وفرة القواعد، و سيتبين القارىء مما يأتي من استعراض كلمات الحكماء و أدلتهم و ما نعرض له من نقاط و نكات مستخلصة منها أن بين العقل النظري و العقل العملي موازاة في الادراكات في كافة بحوث المعارف من التوحيد إلى المعاد، و أن منهج الحكماء الأقدمين كان على الجمع في الاستدلال بين كلا السنخين من الأدلة المستفادة من النظري و العملي، لكن بعد ابن سينا افترق نهج الاستدلال فأخذ بالأول الحكماء