العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧ - فوارق أخرى لمذهب ابن سينا مع من تقدمه من الفلاسفة
و الأول ادراك (حضوري شهودي) و الثاني ادراك (حصولي) و إن في الأول ادراك للواقعة الأخيرة الممكنة (الصغرى) و في الثاني ادراك للحدود الثابتة الكلية (الكبرى) و الصغرى هي الغاية المطلوب بلوغها إذ في الحكمة العملية يراد بلوغ (الحكمة في الأعمال الجزئية) و لا طريق للحكمة إلا البرهان و هو العياني باستخدام العقل العياني الشهودي لأداة الفطنة. كما هو الحال في الحكمة النظرية يراد بلوغ (معرفة حقائق الأشياء الثابتة الدائمة) بتوسط البرهان الحصولي، فالبرهان العياني (تطبيق) برهاني للكليات- المبرهن عليها بالبرهان النظري- على المصاديق الجزئية فهو عاصم في التطبيق على الجزئي و موجب لليقين فيه، بخلاف البرهان الحصولي النظري، و الأول في (الوجود المستقبلي) الذي لم يوجد و لم يتشخص بل هو باق على كليته، و الثاني في الموجودات الأعم من (المحققة الحاصل وجودها) هذه مجمل الفوارق بين قسمي البرهان، و يترتب على ذلك فوائد خطيرة منها أن المعجزة برهان من النمط الأول لتصرمها غالبا و جزئيتها و إن كان لها ثبات بلحاظ اثباتها بالتواتر، و منها أن المادة الحدسية ادراك قبلي حضوري لا من العلوم البديهية الحصولية، كجعلهم الفطريات منها مع أنها وجدانيات بالمعنى الأعم لا صورا حصولية. بل من التدبر يتبين أن بديهية الحصولي من العيانيات الحضورية.
الثاني: إن القول بتباين و اختلاف اطلاقات الحسن و القبح بحسب معان ثلاثة، لم يكن لها أثر في كلمات الفارابي و من تقدم عليه من الفلاسفة، بل هم يعدّونها متساوقة، و يقررون حدّ المدح و الذم بالإتصاف بالكمال و النقص و النفع و الضرر كما هو حدّهما في اللغة، كما هو في كلماتهم كثيرا، و إنه عندهم لا مدح و لا حمد و لا تمجيد و لا ثناء و نحوها إلا بالكمال و النفع، و لا ذم و لا قدح و لا عياب إلا بالنقص و الضرر و الفساد و إن الملائمة و المنافرة من لوازم الشيء بلحاظ كونه كمال الشيء أو نقصا له، و الظاهر أن بدء هذه الدعوى من أبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري البصري المتوفى في أوائل القرن الرابع سنة ٣٢٦ ه. ق، و من ثمة جاءت في