العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٢ - الاعتباريات و الاعتبار
و النقطة الثالثة: إنه قد اتضح أن الاعتبار ليس هو اقتراح محيطي ابتدائي يعتبره من أراد، بل لا بد من أن يكشف عن جهات الواقع حتى في القوانين الوضعية. و آية ذلك بالإضافة إلى النكتة التي ذكرناها من المقننين أنه لا يمكن أن يوكل التقنين الوضعي إلى جهّال المجتمع و إنما يوكل التقنين الوضعي في كل حقل و فصل منه إلى خبراء ذلك الفصل مع معونة الخبراء القانونيين كأن تجتمع لجنتان، لجنة الخبراء القانونية و لجنة خبراء الموضوع الخاص في ذلك الحقل و المجال.
فترى البشرية تخصص حق التشريع إلى فئة خاصة مشتركة في كل فصل بين خبراء القانون و خبراء ذلك الموضوع ممن يحيطون بالتجارب، بل و لا يكتفون بذلك بل أنهم يجمعون خبرات البشرية السابقة و قوانينها، بل أنهم يستفيدون من التقنينات الشرعية السماوية أيضا، و هذا حقل مفتوح في علم القانون المتداول في الجامعات البشرية و هو فصل فلسفة القانون- الجنائي- القضائي- المعاملي ... ففلسفة القانون هي عبارة عن العلل و الأسباب التي قنن القانون على ضوئها، فتلك أسباب تكوينية و صواب القانون و صحته هي في الكشف عن تلك الجهات و اصابتها و تنفيذها و قولبتها و يجعلون مدار القانون الوضعي هو في الكشف عن الواقع و اصابته، فالاعتبار يكون بلحاظ الواقع، ليس بما هو هو.
الاعتباريات و الاعتبار:
فثم هنا تساؤل آخر هل أن الواقع يتبدل إذ الاعتبار و التقنين للكشف عن الواقع- و ههنا يأتي البحث الديالكتيكي مع النظرية الإسلامية، نظرية الديالكتيكية أو التضاد مقابل نظرية التجريد العقلي، و كلا النظريتين تتفقان على أنّ هناك منطقة تغير كموجبة جزئية و إنما الاختلاف بينهما أن النظرية الديالكتيكية تقول بأن التغير في كل شيء هو دائم بخلاف النظرية العقلية حيث تقول بأن التغير ليس في كل شيء، بل له منطقة معينة أي موجبة جزئية لا كلية، بل هناك ثبات بنحو الموجبة الجزئية أيضا.