العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦١ - هذه القاعدة ما هو مؤداها، و كيف نستدل بها على عقلية الحسن و القبح؟
حتى أن بعض الفلاسفة الإمامية غفلوا عن هذه النكتة و قالوا بهذا المقال- و الحال أنه يخالف مبنى الإمامية- أن الحسن ما حسنه الشارع و القبيح ما قبّحه الشارع بالتفسير الأشعري، إذ العلم تابع للمعلوم لا أن المعلوم تابع للعلم نعم تابع للعلم في الايجاد، و لا أن ماهية المعلوم تتحدد بالعلم، و هو ما يلهج بها كثيرا فلاسفة الغرب كنظرية و هي أنه حيث إن القوانين و التشريعات الاعتبارية حتى السماوية، مبنية على العقل العملي، و أحكام العقل العملي اعتبارية بحسب تواضعات و توافقات كل مجتمع و كل قطر و كل زمان، فهي تتجدد و تتغير بحسب الأزمنة و الأمكنة و الأجيال، و عليه فالتشريعات التي تبنى عليها أيضا تتبدل و لذلك قالوا: إن معنى ختم النبوة ليس بمعنى أن دينه أبدي إلى يوم القيامة و إنما ختم النبوة بمعنى أن البشرية وصلت بعد نبوة النبي إلى حدّ بامكانها أن تتكىء على عقلها أي أنها وصلت إلى نوع من الاستقلال عن السماء في التشريع بتوسط العقل البشري.
فهذه الدعوى مفادها: أن الأحكام الاعتبارية تخلقها الظروف و الأزمنة و الأمكنة و توافق العقلاء و بحسب ما يناسبهم و يجعلوه ملائما لهم، فتكون قابلة للتغيير و التبدل، و كذا الحال في أحكام العقل العملي، فضلا عن الاعتبارات و التشريعات و أول نقطة ضعف في هذه الاثارة هي أن أحكام العقل العملي ليست متغيرة، نعم الأشاعرة قد يجدون صعوبة في الرد على هذه الاثارة و أما على ما قدمناه فالبيانات العقلية المبرهنة عليها كفيلة لتخطئة هذه الدعوى. و النقطة الثانية أن القائل يفترض واقعا متحققا و لو بحسب الأزمنة تطابقه التشريعات، و لذلك لا بد أن تتغير بحسب الأزمنة كي تطابق واقع ذلك الزمن، و إذا ثبت وجود واقع تطابقه الاعتبارات و التشريعات فلا تكون التشريعات حينئذ قضايا فرضية محضة بل كاشفة اجمالية على كمالات الواقع و نقائصه، كما أن الواقع الوجودي له قواعد تكوينية منضبطة لا تتبدل على مرّ الأزمنة بحسب الاجناس و الأنواع و إن تبدلت الافراد و العوارض فلا بد أن يوازيه تشريع ثابت أيضا.