العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٤ - الأمر الثالث منشأ الاشتباه
الأمر الثالث منشأ الاشتباه
قد اشتهرت النسبة إلى الفلاسفة أنهم يقولون إن الحسن و القبح من المواد المشهورة و ليس من المواد اليقينية، و هذه النسبة تتبعناها تاريخيا، فوجدنا أن النسبة خاطئة، نعم النسبة صحيحة في الجملة من عهد ابن سينا إلى يومنا هذا و أما ما قبل ابن سينا فالنسبة خاطئة.
فالفلسفة الهندية التي ربما تعدّ من أقدم الفلسفات البشرية و الكتاب الذي يعدّ مصدرا لهذه الفلسفة كتاب (اوپانيشادها) و هو باللغة الهندية القديمة و يقصد به (السرّ الأكبر) و هو جامع لتاريخ الفلسفة الهندية و مرادهم من السرّ الأكبر هو اللّه عزّ و جلّ، يستفاد منه أنهم يذهبون إلى أن الحسن و القبح ليسا من المشهورات، بل من الفطريات البديهية.
و أما ابن سينا حيث إنه عدّ الترجمان للفلسفة المتقدمة عليه أي أن غالب كتبه وضعها لبيان مباني المشّائين، إلا أن ترجمته في هذا الموضع لا تخلو أما عن الغفلة أو عن نوع من التحريف حيث إنه تتبعنا رسائل أفلاطون و سقراط و أرسطو الذين هم رواد الفلسفة اليونانية و وجدنا أنهم قائلون بأن الحسن و القبح العقليين تكوينيان لا أنهما من المشهورات و كذلك الفارابي في عهد الفلسفة الإسلامية ذهب إلى هذا في كتابه المنطقيات، إلا أنه لما وصلت النوبة إلى ابن سينا عدل عن ذلك من دون إشارة و تنبيه إلى ما سبقه من الأقوال، و سبّب ذلك غفلة من تأخر عنه لأن المعروف عن أكثر كتبه