العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٢ - الزيارة لقبور الأصفياء سبب فاعلي لا اعتباري
مشاهدهم القدسية، فمنفرع عن أصل آخر. و هو أن النفس الناطقة، معدن سنخ جوهرها مدين عالم العقل و موطن جوهر ذاتها أرض قدس الملكوت، و سلطانها على البدن الهيولاني بالعلاقة التدبيرية من سبيلين:
أحدهما: من حيث المادة الشخصية المنحفظة البقاء بشخصيتها، ما دامت السماوات و الأرض.
و الآخر: من حيث شخص الصورة الجوهرية البدنية الكائنة الفاسدة. فالبموت تبطل العلاقة التدبيرية، بالقياس إلى بدنها الشخصي من حيث الصورة. فأمّا علاقتها بالقياس إليه، من حيث مادته الباقية في انقلابات الصور المتواردة عليها، فغير فاسدة البقاء أبدا. و تلك العلاقة الباقية، من حيث المادة مرجحة ارتجاع، و كر البدن و استيناف التعلق بالصور المماثلة لهذه الصورة عند الحشر الجسداني، بإذن اللّه سبحانه. فإذن تلك العلاقة الباقية بهذا البدن الشخصي من حيث المادة ملاك احتلاب الفيض و اصطياد الخير، لزيارة القبور و اتيان المشاهد. ثم اجتماع أنفس الزائرين المشرقة بالأنوار الإلهية و الأضواء الملكوتية، له فوائد جمّة في هذا الباب، كالمرايا الصقيلة المستنيرة التي تتعاكس أشعة الأضواء منها و يتضاعف شروق الأنوار عليها، حيث لا تطيقها العمشة الضعيفة.
قال علّامة المتشككين و إمامهم في كتاب المطالب العالية: أنه جرت عادة جميع العقلاء بأنهم يذهبون إلى المزارات المتبركة، و يصلّون و يصومون و يتصدقون عندها، و يدعون اللّه تعالى في بعض المهمات، فيجدون آثار النفع ظاهرة، و نتائج القبول لائحة. يحكى أنّ أصحاب أرسطاطاليس كلمّا صعبت عليهم مسألة، ذهبوا إلى قبره و بحثوا فيها، فكانت تنكشف لهم تلك المسألة. و قد يتفق مثل هذا كثيرا عند قبور الأكابر من العلماء و الزّهاد. و لو لا بقاء النفوس بعد موت الأبدان، لم يتصور أمثال ذلك.