العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٠ - لا عمل و لا شوق إلا بالعلم
على المكروهات الطبيعية فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على النفس من محقرات الأشياء فكيف في الأمور البهية العالية! إلا أن النفس الخسيسة تحس بما يلحق المحقرات من الخير و الشر، و لا تحس بما يلحق الأمور البهية لما قيل من المعاذير.
و أما إذا انفصلنا عن البدن، و كانت النفس منا تنبهت في البدن لكمالها الذي هو معشوقها و لم تحصله، و هي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود. إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها و معشوقها ... في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التي أوحينا وجودها و دللنا على عظم منزلتها، فيكون ذلك هو الشقاوة و العقوبة التي لا يعدلها تفريق النار للاتصال و تبديل الزمهرير للمزاج ...
فهذه هي السعادة و تلك هي الشقاوة، و تلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق إلى كمالها و ذلك عند ما يبرهن لهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم و الاستكمال بالفعل، فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول، و لا أيضا في سائر القوى، بل شعور أكثر القوى بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب. و أما النفوس و القوى الساذجة الصرفة، فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة هذا الشوق، لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثا و ينطبع في جوهر النفس إذا برهن للقوة النفسانية أن ههنا أمورا يكتسب العلم بها بالحدود الوسطى على ما علمت. و أما قبل ذلك فلا يكون، لأن هذا الشوق يتبع رأيا، إذ كل شوق يتبع رأيا، و ليس هذا الرأي للنفس رأيا أوليا بل رأيا مكتسبا. فهؤلاء إذا اكتسبوا هذا الرأي، لزم النفس ضرورة هذا الشوق، و إذا فارقت و لم يحصل معها ما تبلغ به بعد الانفصال التام وقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي.
و نقول أيضا: إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس و لنقدم لذلك مقدمة.