العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤١ - لا عمل و لا شوق إلا بالعلم
... فنقول: إن الخلق هو ملكة يصدر بها من النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم رويّة، و قد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين لا بأن نفعل أفعال التوسط دون أن تحصل ملكة التوسط، بل أن تحصل التوسط، و ملكة التوسط كأنها موجودة للقوة الناطقة و القوى الحيوانية معا.
أما القوى الحيوانية فبأن تحل فيها هيئة الإذعان، و أما القوة الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء و الانفعال، كما أن ملكة الافراط و التفريط موجودة للقوة الناطقة و للقوى الحيوانية معا».
أقول: ما في كلامه ما يلي- و هذا بعد وضوح أن أكثر المقدمات التي أقامها في الدليل على المعاد العقلي هي من مسائل الحكمة العملية-:
أولا: إن الشوق في القوة العاملة يتبع و يحدث لوجود الرأي في القوة الناطقة و إن هذا الرأي إذا برهن لزمه الشوق ضرورة.
ثانيا: استدل بالقبح لإثبات حدوث الشوق لما هو أكمل و أتم و أفضل دون ما هو انقص و أقصر و أخس، و إن عدم الشوق للأول إنما هو لعدم الشعور و الإدراك له لغفلة أو جهل و نحوهما.
ثالثا: إن الغايات العقلية أكرم و أشوق عند النفس من الطبيعية و الحقيرة، إذا ما أدركتها و هذا مشهود في الأنفس العامية فضلا عن التي هي أشرف، و هذا من الحالة العقلية أي الشوق التابع للرأي العقلي.
رابعا: إن السعادة هي اللذة الحاصلة لحصول الكمال المدرك و الشقاوة هي الألم الحاصل لفقدانه و حصول ما هو ضده، فالعقلية منها بالنسبة لكمال القوة الناطقة و ما دونها بالنسبة لكمال بقية القوى.
و إن الأولى لا تتم إلا بانفعال سائر القوة عند الناطقة و ذلك بتوسط الآراء.