العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣١ - شواهد أخرى على ما تقدم معلولية الاستكمال للاجتماع
الإجماعية إلى تحريك البدن، كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى في الحيوانات، و تكون هذه القوة استمدادها من القوة التي على الكليات فمن هناك تأخذ المقدمات الكبرى فيما تروى و تنتج في الجزئيات.
فالقوة الأولى للنفس الإنسانية قوة تنسب إلى النظر فيقال عقل نظري، و هذه الثانية قوة تنسب إلى العمل فيقال عقل عملي، و تلك للصدق و الكذب و هذه للخير و الشر في الجزئيات، و تلك للواجب و الممتنع و الممكن و هذه للقبيح و الجميل و المباح. و مبادىء تلك من المقدمات الأولية و مبادىء هذه من المشهورات و المقبولات و المظنونات و التجربيات الواهية التي تكون من المظنونات غير التجربيات الوثيقة. و لكل واحدة من هاتين القوتين رأي و ظن، فالرأي هو الاعتقاد المجزوم به، و الظن هو الاعتقاد المميل إليه مع تجويز الطرف الثاني. و ليس كل من ظن فقد اعتقد، كما ليس كل من أحسن فقد عقل، أو من تخيل فقد ظن أو اعتقد أو رأى، فيكون في الإنسان حاكم حسي و حاكم من باب التخيل و همي و حاكم نظري و حاكم عملي، و تكون المبادىء الباعثة لقوته الاجماعية على تحريك الأعضاء و هما خياليا و عقلا عمليا و شهوة و غضبا، و تكون للحيوانات الأخرى ثلاثة من هذه.
و العقل العملي يحتاج في أفعاله كلها إلى البدن و إلى القوة البدنية، و أما العقل النظري فإن له حاجة ما إلى البدن و إلى قواه لكن لا دائما و من كل وجه، بل قد يستغني بذاته. و ليس لا واحد منهما هو النفس الإنسانية، بل النفس هو الشيء الذي له هذه القوى. و هو كما تبين جوهر منفرد و له استعداد نحو أفعال بعضها لا يتم إلا بالآلات و بالإقبال عليها بالكلية، و بعضها يحتاج فيه إلى الآلات حاجة ما، و بعضها لا يحتاج إليها البتة. و هذا كله سنشرحه بعد. فجوهر النفس الإنسانية مستعد لأن يستكمل نوعا من الاستكمال بذاته و مما هو فوقه لا يحتاج فيه إلى ما دونه، و هذا الاستعداد له هو بالشيء الذي يسمى العقل النظري، و مستعد لأن يتحرز عن آفات تعرض له من