العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٣ - مذهب أبي علي الحسين بن عبد الله (ابن سينا)
و يقول [١] في (كتاب الجدل)- (المقالة الأولى الفصل الرابع): «و ليس من شرط المشهور و المتسلم أن يكون لا محالة صادقا، بل كثيرا ما يسلم الباطل، و كثيرا ما يشتهر ما هو كذب، و كثيرا أيضا ما يشتهر ما هو حق مطلق، و كثيرا ما يكون الحق غير بيّن بنفسه في اعتبار البيان العقلي الأول، و يكون مشهورا و ليس يتفق أن لا تقع الشهرة إلا لما هو أكثري الصدق كأن الكاذب أو متساوي الصدق، أو الحق الصريح لا يكون مشتهرا ....
و يقول [٢]: «... كأن المحمودات و الذائعة أمور سهلة التصور، و كأن سهولة التصديق تتبع في أكثر الأمر سهولة التصور، و كأن صعوبة التصور توجب صعوبة التصديق، فكان صعب التصديق بعيدا عن الشهرة، حتى لو كان الشيء مشهورا.
فتكلف تعويض العبارة عنه أورثه ذلك سوء الفهم، و أورث سوء الفهم نفور الطبع إباء التصديق فكأن التصديق و الحمد زايلانه. و ذلك لأن الحق حق بنفسه، و المشهور يكتسب الشهرة الأحوال تقرن به، منها سهولة انجذاب النفس ليه، فإن المنجذب إليه بسهولة يعرضه ذلك لسرعة تسليمه، و كان الإنسان الحسن البيان اقرب إلى أن نسلم له ما يقوله من غيره، و إن تشاركا في القول. كما أن الموثوق به و المحتشم، و المحبوب، يسلم له الشيء الذي لو طالب بتسليمه غيره ممن يقابله، عووق و مونع، فإن التسليم و الشهرة ليسا مبنيين على الحقيقة، بل على حسب مناسبتهما للأذهان، و بحسب أصناف التخيل من الإنسان.
فمن المشهورات ما يكون السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به، و إجماع أرباب الملل عليه، قد رآه متقدموهم و متأخروهم، حتى أنها تبقى في الناس غير مستندة
[١] المصدر السابق ص ٣٤ من كتاب الجدل- ج ٣ المنطق.
[٢] ص ٣٨.