العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٢ - مذهب أبي علي الحسين بن عبد الله (ابن سينا)
و لكن هذه الحجة معارضة بما ذكر الأوائل و المتأخرون من قضاء الوجدان و الفطرة في الفرض المزبور بقبح الظلم و منافرته للقوة النطقية. و لكنه مع ذلك قرّر بإمكان كونها صادقة بقيام الحجة و الوسط البرهاني عليها سواء أ كان ظاهرا لدى الجمهور أو دقيقا خفيا عنهم. و كذلك نفى استبعاد وجود البعض الكاذب فيها. و أما كون المقدمة ذا وسط فلا يلازم نظريتها و عدم بداهتها إذا كان الوسط من قبيل المعلومات التي قياساتها معها كالفطريات.
و يقول [١] في (الفصل الثاني من المقالة الأولى في مرتبة كتاب البرهان): «لأن مدار الجدل إنما هو على القياس و الاستقراء، و من كل واحد منهما: برهاني و غير برهاني. و القياسات البرهانية الأولى هي المؤلفة من مقدمات محسوسة و مجرّبة و أولية، أو أولية القياس كما ستقف عليه و الاستقراءات البرهانية هي المستوفية المذكورة. فأما القياس الجدلي فهو من المقدمات المشهورة، و استقراؤه من المستوفية بحسب الظاهر أو بحسب الدعوى، و كل مقدمة محسوسة أو مجرّبة أو أولية فإنها مشهورة و في حكمها، و لا ينعكس و كل استقراء حقيقي فهو أيضا استقراء بحسب الظاهر، و لا ينعكس و ليس كل ما أورد في الجدل فهو شيء بعيد عن البرهان، بل كثير من المواد البرهانية مذكورة في الجدل، لكنها لم تؤخذ من حيث هي صادقة بوسط أو بلا وسط، بل من حيث هي مشهورة و لو أخذت من حيث هي صادقة لم يرض بمشهورات غير صادقة فالمادة الجدلية الأولى أعم من المادة البرهانية الأولى».
أقول: فيتضح من هذا الكلام أن كلامه السابق ليس لنفي كون القضايا المشهورة- في الحسن و القبح- مواد برهانية، بل كلامه السابق لنفي بداهتها و ضروريتها، البعض منها خاصة لا نفي بداهة و ضرورية الكل فليس هو بنحو عموم السلب.
[١] ص ٥٥.