موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٦
اللَّهُ الذُّلَّ في وَلَدِهِ، وَالقِلَّةَ في عَشيرَتِهِ، وها أنَا قد لَبِستُ لِلحَربِ لَأمَتَها، وَادَّرَعتُ لها بِدِرعِها، مَن لَم يُقتَل يَمُت، ومَن يَهرُب لَم يَفُت، فَأَحسِنوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ رَدَّ الجَوابِ.
فَتَكَلَّمَت بَنو حَنظَلَةَ، فَقالوا: يا أبا خالِدٍ! نَحنُ نَبلُ كِنانَتِكَ وفارِسُ عَشيرَتِكَ، إن رَمَيتَ بِنا أصَبتَ، وإن غَزَوتَ بنا فَتَحتَ، لا تَخوضُ وَاللَّهِ غَمرَةً إلّاخُضناها، ولا تَلقى وَاللَّهِ شِدَّةً إلّالَقيناها، نَنصُرُكَ بِأَسيافِنا، ونَقيكَ بِأَبدانِنا، فَانهَض لِما شِئتَ.
وتَكَلَّمَت بَنو سَعدِ بنِ يَزيدَ، فَقالوا: يا أبا خالِدٍ! إنَّ أبغَضَ الأَشياءِ إلَينا خِلافُكَ وَالخُروجُ مِن رَأيِكَ، وقَد كانَ صَخرُ بنُ قَيسٍ أمَرَنا بِتَركِ القِتالِ، فَحَمِدنا أمرَنا وبَقِيَ عِزُّنا فينا، فَأَمهِلنا نُراجِعِ المَشوَرَةَ ونَأتِكَ بِرَأيِنا.
وَتَكَلَّمَت بَنو عامِرِ بنِ تَميمٍ، فَقالوا: يا أبا خالِدٍ! نَحنُ بنو أبيكَ وحُلَفاؤُكَ، لا نَرضى إن غَضِبتَ، ولا نَقطُنُ إن ظَعَنتَ، وَالأَمرُ إلَيكَ، فَادعُنا نُجِبكَ، ومُرنا نُطِعكَ، وَالأَمرُ إلَيكَ إذا شِئتَ.
فَقالَ: وَاللَّهِ- يا بَني سَعدٍ-، لَئِن فَعَلتُموها لا يَرفَعُ اللَّهُ عَنكُمُ السَّيفَ أبَداً، ولا يَزالُ سَيفُكُم فيكُم.
ثُمّ كَتَبَ إلَى الحُسَينِ ٧: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، أمّا بَعدُ، فَقَد وَصَلَ إلَيَّ كِتابُكَ، وفَهِمتُ ما نَدَبتَني إلَيهِ ودَعَوتَني لَهُ مِنَ الأَخذِ بِحَظّي مِن طاعَتِكَ وَالفَوزِ بِنَصيبي مِن نُصرَتِكَ، وأنَّ اللَّهَ لَم يُخلِ الأَرضِ مِن عامِلٍ عَلَيها بِخَيرٍ ودَليلٍ عَلى سَبيلِ النَّجاةِ، وأنتُم حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلقِهِ ووَديعَتُهُ في أرضِهِ، تَفَرَّعتُم مِن زَيتونَةٍ أحمَدِيَّةٍ هُوَ أصلُها وأنتُم فَرعُها، فَأَقدِم سَعِدتَ بِأَسعَدِ طائِرٍ، فَقَد ذَلَّلتُ لَكَ أعناقَ بَني تَميمٍ وتَرَكتُهُم أشَدَّ تَتابُعاً لَكَ مِنَ الإِبِلِ الظِّماءِ يَومَ خِمسِها لِوُرودِ الماءِ، وقَد ذَلَّلتُ لَكَ رِقابَ بَني سَعدٍ وغَسَلتُ لَكَ دَرَنَ صُدورِها بِماءِ سَحابَةِ مُزنٍ حَتَّى استَهَلَّ بَرقُها فَلَمَعَ.