موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢٨
فَقالَ الحُسَينُ ٧: مِن أينَ أقبَلتَ يا أبا فِراسٍ؟ فَقالَ: مِنَ الكوفَةِ يَابنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ! فَقالَ: كَيفَ خَلَّفتَ أهلَ الكوفَةِ؟ فَقالَ: خَلَّفتُ النّاسَ مَعَكَ، وسُيوفَهُم مَعَ بَني امَيَّةَ، وَاللَّهُ يَفعَلُ في خَلقِهِ ما يَشاءُ.
فَقالَ: صَدَقتَ وبَرَرتَ. إنَّ الأَمرَ للَّهِ يَفعَلُ ما يَشاءُ، ورَبُّنا تَعالى كُلَّ يَومٍ هُوَ في شَأنٍ، فَإِن نَزَلَ القَضاءُ بِما نُحِبُّ فَالحَمدُ للَّهِ عَلى نَعمائِهِ، وهُوَ المُستَعانُ عَلى أداءِ الشُّكرِ، وإن حالَ القَضاءُ دونَ الرَّجاءِ، فَلَم يَعتَدِ مَن كانَ الحَقَّ نِيَّتُهُ.
فَقالَ الفَرَزدَقُ: يَابنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ! كَيفَ تَركَنُ إلى أهلِ الكوفَةِ، وهُم قَد قَتَلُوا ابنَ عَمِّكَ مُسلِمَ بنَ عَقيلٍ وشيعَتَهُ؟
قالَ: فَاستَعبَرَ الحُسَينُ ٧ بِالبُكاءِ، ثُمَّ قالَ: رَحِمَ اللَّهُ مُسلِماً، فَلَقَد صارَ إلى رَوحِ اللَّهِ ورَيحانِهِ، وجَنَّتِهِ ورِضوانِهِ، أما إنَّهُ قَد قَضى ما عَلَيهِ، وبَقِيَ ما عَلَينا.
قالَ: ثُمَّ أنشَأَ الحُسَينُ ٧ يَقولُ:
|
وإن تَكُنِ الدُّنيا تُعَدُّ نَفيسَةً |
فَدارُ ثَوابِ اللَّهِ أعلى وأنبَلُ |
|
|
وإن تَكُنِ الأَبدانُ لِلمَوتِ انشِئَت |
فَقَتلُ امرِىً بِالسَّيفِ فِي اللَّهِ أفضَلُ |
|
|
وإن تَكُنِ الأَرزاقُ رِزقاً مُقَدَّراً |
فَقِلّةُ حِرصِ المَرءِ فِيالرِّزقِ أجمَلُ |
|
|
وإن تَكُنِ الأَموالُ لِلتَّركِ جَمعُها |
فَما بالُ مَتروكٍ بِهِ الخَيرُ يُبخَلُ |
قالَ: ثُمَّ وَدَّعَهُ الفَرَزدَقُ في نَفَرٍ مِن أصحابِهِ، ومَضى يُريدُ مَكَّةَ، فَأَقبَلَ عَلَيهِ ابنُ عَمٍّ لَهُ مِن بَني مُجاشِعٍ، فَقالَ: أبا فِراسٍ! هذَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ ٧.
فَقالَ الفَرَزدَقُ: هذَا الحُسَينُ ابنُ فاطِمَةَ الزَّهراءِ بِنتِ مُحَمَّدٍ ٦، هذا وَاللَّهِ ابنُ خيرَةِ اللَّهِ، وأفضَلُ مَن مَشى عَلى وَجهِ الأَرضِ بَعدَ مُحَمَّدٍ ٦، وقَد كُنتُ قُلتُ فيهِ أبياتاً قَبلَ اليَومِ، فَلا عَلَيكَ أن تَسمَعَها.