موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٣
أن يُبايِعَهُ أهلُ مَكَّةَ، فَلَمّا قَدِمَ الحُسَينُ ٧ شَقَّ ذلِكَ عَلَيهِ، غَيرَ أنَّهُ لا يُبدي ما في قَلبِهِ إلَى الحُسَين ٧، لكِنَّهُ يَختَلِفُ إلَيهِ ويُصَلّي بِصَلاتِهِ، ويَقعُدُ عِندَهُ ويَسمَعُ مِن حَديثِهِ، و هُوَ مَعَ ذلِكَ يَعلَمُ أنَّهُ لا يُبايِعُهُ أحَدٌ مِن أهلِ مَكَّةَ وَالحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ ٧ بِها؛ لِأَنَّ الحُسَينُ ٧ عِندَهُم أعظَمُ في أنفُسِهِم مِنِ ابنِ الزُّبَيرِ.
قالَ: وبَلَغَ ذلِكَ أهلَ الكوفَةِ أنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ ٧ قَد صارَ إلى مَكَّةَ. وأقامَ الحُسَينُ ٧ بِمَكَّةَ باقِيَ شَهرِ شَعبانَ ورَمَضانَ وشَوّالَ وذِي القِعدَةِ.
قالَ: وبِمَكَّةَ يَومَئِذٍ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبّاسٍ و عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فَأَقبَلا جَميعاً حَتّى دَخَلا عَلَى الحُسَينِ ٧، وقَد عَزَما عَلى أن يَنصَرِفا إلَى المَدينَةِ، فَقالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ: أبا عَبدِ اللَّهِ رَحِمَكَ اللَّهُ، اتَّقِ اللَّهَ الَّذي إلَيهِ مَعادُكَ، فَقَد عَرَفتَ مِن عَداوَةِ أهلِ هذَا البَيتِ لَكُم، وظُلمَهُم إيّاكُم، وقَد وَلِيَ النّاسَ هذَا الرُّجُلُ يَزيدُ بنُ مُعاوِيَةَ، ولَستُ آمَنُ أن يَميلَ النّاسُ إلَيهِ لِمَكانِ هذِهِ الصَّفراءِ وَالبَيضاءِ، فَيَقتُلونَكَ ويَهلِكُ فيكَ بَشَرٌ كَثيرٌ؛ فَإِنّي قَد سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ٦ وهُوَ يَقولُ: «حُسَينٌ مَقتولٌ، ولَئِن قَتَلوهُ وخَذَلوهُ ولَن يَنصُروهُ، لَيَخذُلُهُمُ اللَّهُ إلى يَومِ القِيامَةِ».
وأنَا اشيرُ عَلَيكَ أن تَدخُلَ في صُلحِ ما دَخَلَ فيهِ النّاسُ، وَاصبِر كَما صَبَرتَ لِمُعاوِيَةَ مِن قَبلُ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أن يَحكُمَ بَينَكَ وبَينَ القَومِ الظّالِمينَ.
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ ٧: أبا عَبدِ الرَّحمنِ! أنَا ابايِعُ يَزيدَ وأدخُلُ في صُلحِهِ! وقَد قالَ النَّبِيُّ ٦ فيهِ وفي أبيهِ ما قالَ؟!
فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ: صَدَقتَ أبا عَبدِ اللَّهِ! قالَ النَّبِيُّ ٦ في حَياتِهِ: «ما لي ولِيَزيدَ؟ لا بارَكَ اللَّهُ في يَزيدَ! وإنَّهُ يَقتُلُ وَلَدِي ووَلَدَ ابنَتِيَ الحُسَينَ، وَالَّذي نَفسي بِيَدِهِ، لا يُقتَلُ وَلَدي بَينَ ظَهرانَي قَومٍ فَلا يَمنَعونَهُ، إلّاخالَفَ اللَّهُ بَينَ قُلوبِهِم وألسِنَتِهِم».
ثُمَّ بَكَى ابنُ عَبّاسٍ، وبَكى مَعَهُ الحُسَينُ ٧، وقالَ: يَا بنَ عَبّاسٍ، تَعلَمُ أنِّي