موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١١٩
عَلَيَّ، فَاستَحيَيتُ مِن رَدِّهِ، ودَخَلَني مِن ذلِكَ ذِمامٌ[١]، فَأَدخَلتُهُ داري وضِفتُهُ وآوَيتُهُ، وقَد كانَ مِن أمرِهِ الَّذي بَلَغَكَ، فَإِن شِئتَ أعطَيتُ الآنَ مَوثِقاً مُغَلَّظاً، وما تَطمَئِنُّ إلَيهِ ألّا أبغِيَكَ سوءاً، وإن شِئتَ أعطَيتُكَ رَهينَةً تَكونُ في يَدِكَ حَتّى آتِيَكَ، وأنطَلِقُ إلَيهِ فَآمُرُهُ أن يَخرُجَ مِن داري إلى حَيثُ شاءَ مِنَ الأَرضِ، فَأَخرُجُ مِن ذِمامِهِ وجِوارِهِ.
فَقالَ: لا وَاللَّهِ، لا تُفارِقُني أبَداً حَتّى تَأتِيَني بِهِ.
فَقالَ: لا وَاللَّهِ لا أجيؤُكَ بِهِ أبَداً، أنَا أجيؤُكَ بِضَيفي تَقتُلُهُ؟! قالَ: وَاللَّهِ لَتَأتِيَنّي بِهِ.
قالَ: وَاللَّهِ لا آتيك بِهِ.
فَلَمّا كَثُرَ الكَلامُ بَينَهُما، قامَ مُسلِمُ بنُ عَمرٍو الباهِلِيُّ، ولَيسَ بِالكوفَةِ شامِيٌّ ولا بَصرِيٌّ غَيرُهُ، فَقالَ: أصلَحَ اللَّهُ الأَميرَ! خَلِّني وإيّاهُ حَتّى اكَلِّمَهُ لَمّا رَأى لَجاجَتَهُ وتَأبّيهِ عَلَى ابنِ زِيادٍ أن يَدفَعَ إلَيهِ مُسلِماً.
فَقالَ لِهانِئٍ: قُم إلى هاهُنا حَتّى اكَلِّمَكَ، فَقامَ، فَخَلا بِهِ ناحِيَةً مِنِ ابنِ زِيادٍ، وهُما مِنهُ عَلى ذلِكَ قَريبٌ حَيثُ يَراهُما، إذا رَفَعا أصواتَهُما سَمِعَ ما يَقولانِ، وإذا خَفَضا خَفِيَ عَلَيهِ ما يَقولانِ.
فَقالَ لَهُ مُسلِمٌ: يا هانِئُ! إنّي أنشُدُكَ اللَّهَ أن تَقتُلَ نَفسَكَ، وتُدخِلَ البَلاءَ عَلى قَومِكَ وعَشيرَتِكَ، فَوَاللَّهِ إنّي لَأَنفَسُ بِكَ عَنِ القَتلِ- وهُوَ يَرى أنَّ عَشيرَتَهُ سَتَحَرَّكُ في شَأنِهِ- إنَّ هذَا الرَّجُلَ ابنُ عَمِّ القَومِ، ولَيسوا قاتِليهِ ولا ضائِريهِ، فَادفَعهُ إلَيهِ، فَإِنَّهُ لَيسَ عَلَيكَ بِذلِكَ مَخزاةٌ ولا مَنقَصَةٌ، إنَّما تَدفَعُهُ إلَى السُّلطانِ.
قالَ: بَلى وَاللَّهِ، إنَّ عَلَيَّ في ذلِكَ لَلخِزيُ وَالعارُ، أنَا أدفَعُ جاري وضَيفي، وأنَا حَيٌّ صَحيحٌ أسمَعُ وأرى، شَديدُ السّاعِدِ كَثيرُ الأَعوانِ! وَاللَّهِ لَو لَم أكُن إلّاواحِداً لَيسَ لي ناصِرٌ لَم أدفَعهُ حَتّى أموتَ دونَهُ. فَأَخَذَ يُناشِدُهُ وهُوَ يَقولُ: وَاللَّهِ لا أدفَعُهُ
[١]. الذِّمّةُ والذِّمامُ: وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحُرمة والحقّ( النهاية: ج ٢ ص ١٦٨« ذمم»).