مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٦٥ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
الفيل بعد وقعته بخمسين يوما على التفصيل، و قال في الإبريز: ولد عامه قبلها و ببركة وجوده بمكة طرد اللّه الفيل عن أهلها و ولد نظيفا ما به قذى و لا قذر رافعا سبابتيه إلى السماء التي هي قبلة الدعاء و محل العبر و الفكر قابضا بقية أصابعه لا يعتريه التفات لغير خالقه و رافعه كفعل المتضرع المبتهل الخاشع الخاضع المتذلل، مسرورا مختونا بيد القدرة الإلهية طيبا دهينا كحيلا بكحل العناية الأزلية.
و قيل: ختنه جده عبد المطلب يوم سابع ولادته، و سماه و عمل له مأدبة و أطعم و أكرم مثواه. و قيل: ختنته الملائكة يوم شق صدره و فؤاده و هو عند حليمة ذات تربيته و وداده، و رأت أمه حين وضعته ٧ نورا أضاءت له قصور الشام و أشرقت الأرض عند ولادته و تدلت النجوم إليه فرحا بعلاه و مجادته، و دنت منه حتى كادت أن تقع بالأرض و التراب رغبة في زيادة الدنو منه و الاقتراب، و ظهرت إذ ذاك ليلة مولده في العالم آيات و خوارق و ارهاصات تمهيدا لنبوّته و إعلاما بظهوره و عزّته، منها إخبار كثير من الجن و الأحبار من اليهود و الرهبان من النصارى و الكهان من العرب بأنه ولد الليلة النبي المختار المقرب نبي آخر الزمان الذي ينسخ دينه الأديان، و منها ارتجاج أي اهتزاز إيوان كسرى و تحركه المرة بعد الأخرى و انشقاقه انشقاقا باهرا بينا ظاهرا و سقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته إعزازا لنبيّه و إذلالا لعداته، و الإيوان بناء عظيم في غاية الإحكام و الاتقان يعدونه للملوك و الحكام كان يظن به أنه لا تهده إلا نفخة الصور عند القيام، و منها خمود نيران فارس التي كانوا يعبدونها و ليلا و نهارا يوقدونها. و كان لها ألف عام ما خمدت و لا انطفأ لهيبها منذ اتقدت و كانت العادة تحيل انطفاءها في الزمن الطويل فأحرى في الساعة الواحدة و الأمد القليل، و منها غيض أي غور و ذهاب ماء بحيرة ساوة و هي قرية من قرى فارس المعروفة التي هي بالتمجس و عبادة النار موصوفة، و كانت أكثر من ستة فراسخ في الطول و العرض و تسير فيها السفن و يركب فيها إلى ما حولها من الأرض فأصبحت ليلة ولادته ٧ يابسة قفراء ليس بها شيء من الماء و بني محلها مدينة ساوة الموجودة الآن، صلى اللّه على نبيّه و سلم في كل وقت و آن.
و منها فيض وادي سماوة و هي بادية بين الكوفة و الشام قفرا و لم يكن به قبل ماء يسمع أو حليمة فنالت به كل سعد و امرأة تدعى أم فروة فنالت بإرضاعه كل ثروة، و ثلاث نسوة أبكار مذكورة من قبيلة بني سليم المشهورة تدعى كل واحدة منهن عاتكة مر به عليهن فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت فيه فرضع منهن، قيل و هن اللائي عناهن النبي صلى اللّه عليه و سلم بقوله: «أنا ابن العواتك من سليم». و قد ذكر ابن العربي المعافري في «سراج المريدين»: أنه لم ترضعه صلى اللّه عليه و سلم امرأة إلا أسلمت و بمولاها اعتصمت. و هذا أشرح للصدور و أوفق بكرامة اللّه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم في كل الأحوال و جماع الأمور.