مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٣٩ - خاتمة
قال ابن حجر الهيثمي في مولده الكبير المسمى بالنعمة الكبرى: إن النعمة تمت بإرسال نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم المحصّل لسعادة الدارين، فصيام يوم تجددت فيه النعم من اللّه تعالى حسن جميل و هو من باب مقابلة النعم في أوقات تحددها للناس بالشكر و نظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث نجّى اللّه تعالى فيه نوحا عليه الصلاة و السلام من الغرق، و موسى عليه الصلاة و السلام و قومه من فرعون و جنوده و أغرقهم في أليم فصامه نوح و موسى ٨ شكرا للَّه تعالى و صامه نبينا عليه الصلاة و السلام متابعة لأنبياء اللّه تعالى.
و قال اليهود: نحن أحق بموسى منكم و أمر بصيامه. ه.
ثم إن ما ذكره الهيثمي من استحسان صيام يوم المولد معلّلا له بأنه من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر، و أصله للحافظ ابن حجر العسقلاني و هما شافعيان و سبقهما إليه الحافظ ابن رجب الحنبلي كما تقدم، هو خلاف مذهب المالكية، فقد نقل الخطاب لدى قول خليل و عاشوراء عن الشيخ زروق كراهة صيامه و سلمه و نصه الخامس، أي من التنبيهات.
قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام يوم المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صح علمه و ورعه قائلا: إنه من أعياد المسلمين فينبغي أن لا يصام. و كان شيخنا أبو عبد اللّه القوري يذكر ذلك كثيرا و يستحسنه. ه. و نقله الشيخ بناني في حواشي الزرقاني و سلمه كما سلمه الشيخ الرهوني بسكوته عنه ثم قال الخطاب، قلت: لعله- يعني ابن عباد- فقد قال في رسائله الكبرى: و أما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين و موسم من مواسمهم و كل ما يفعل فيه مما يقتضي وجود الفرح و السرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع و إمتاع البصر و السمع و التزيّن بلباس فاخر الثياب و ركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد قياسا على غيره من أوقات الفرح.
و الحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود و ارتفع فيه علم الشهود و انقشع بسببه ظلام الكفر و الجحود و ادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان و مقارنة ذلك بالنيروز و المهرجان أمر مستقل تشمئز منه القلوب السليمة و تدفعه الآراء المستقيمة، و لقد كنت فيما خلا من الزمان خرجت في يوم المولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن وجدت هناك سيدي الحاج ابن عاشر- أي السلوي ;- و جماعة من أصحابه و قد أخرج بعضهم طعاما محتفلا ليأكلوه هنالك، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل و كنت إذ ذاك صائما، فقلت لهم: إني صائم، فنظر إليّ سيدي الحاج نظرة منكرة و قال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم فرح و سرور و يستقبح فيه الصيام بمنزلة يوم العيد. فتأملت كلامه فوجدته حقا و كأني كنت نائما فأيقظني، لكن المناكر التي ألفت في العادة من اجتماع الرجال و النساء و تزاحمهم