مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١١٣ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
و أخرج أبو نعيم: أن آمنة قالت: لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام. نقله السيوطي في الخصائص. و من هذه الأحاديث و شبهها يعلم أنه صلى اللّه عليه و سلم خرج من المحل المعلوم للولادة بدليل خروج النور منه و به يعلم بطلان قول من زعم أنه خرج من ثقبة تحت السرة، و من زعم أنه خرج من شقها الأيمن من غير فرج. قال الإمام المسناوي: و كل ذلك لا أصل له و لا شك أنه لو وقع لنقل تواترا لكونه مما تتوفر الدواعي على نقله لأنه خارق للعادة و هو إن كان لا مانع منه عقلا لكنه لم يقع، و الأحاديث ظاهرة في خلافه و اللّه أعلم.
قال الحافظ الشيخ عبد الرحمن بن رجب في كتابه لطائف المعارف: خروج هذا النور عند ولادته صلى اللّه عليه و سلم إشارة إلى ما يجيء من النور الذي اهتدى به أهل الأرض و زالت به ظلمات الشرك. قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: الآية ١٥] الآية، و إضاءة قصور بصرى بالنور الذي خرج معه إشارة إلى ما خص به الشام من نور نبوّته و أنها دار ملكه.
قال كعب الأحبار: إن في الكتب السالفة: محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مولده بمكة و مهاجره بيثرب و ملكه بالشام، فمن مكة بدت نبوّته و إلى الشام انتهى ملكه، و لهذا أسري به صلى اللّه عليه و سلم إلى بيت المقدس كما هاجر قبله إبراهيم إلى الشام، و فيها ينزل عيسى ابن مريم و هي أرض المحشر و المنشر.
أخرج الإمام أحمد و أبو داود و ابن حبان و الحاكم في صحيحهما كلهم عن عبد اللّه بن حوالة الصحابي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «عليكم بالشام فإنها [١] خيرة اللّه من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده». و إلى تنقّل نوره صلى اللّه عليه و سلم في الأصلاب الطيبة و الأرحام الطاهرة و ما وقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور و امتلاء البيت بالنور أشار سيدنا العباس بن عبد المطلب عمّ النبي صلى اللّه عليه و سلم لما دخل النبي صلى اللّه عليه و سلم المدينة مقدمه من غزوة تبوك في رمضان و بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس و قال له سيدنا العباس: يا رسول اللّه أ تأذن لي أمتدحك، قال له: «قل لا يفضض اللّه فاك» [٢]، فقال:
من قبلها [٣]طبت في الظلال [٤]و في * * * مستودع [٥] حيث يخصف الورق
[١] رواه أحمد في المسند، حديث عقبة بن مالك، حديث رقم (١٧٠٤٦) [ج ٤/ ١١٠]، و أبو داود في سننه، باب في سكنى الشام، حديث رقم (٢٤٨٣) [٣/ ٤] و رواه غيرهما.
[٢] رواه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث حبيب بن يساف [١/ ٣٦٤]، و أبو الفرج في صفوة الصفوة [١/ ٥٤] و رواه غيرهما.
[٣] قبلها: أي الدنيا.
[٤] الظلال: ظلال الجنة.
[٥] مستودع: أي في صلب آدم ٧.