مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٦٧ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
يشب، ففعلت و لمقالها امتثلت. و لما كان في السنة الرابعة على الصحيح أتاه جبريل و ميكائيل ٨ فشقّا بطنه الشريف ثم قلبه الرجيح و استخرجا منه شيئا شبيها بالعلقة السوداء التي تكون فيه و قالا: هذا حظ الشيطان منك يا أكرم نبي و أنبه نبي. ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزنه بهم، فوزنهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنه، فوزنهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنه، فوزنهم. فقال: دعه عنك فو اللّه لو وزنته بأمته لوزنها. فخافت عليه حليمة وردته إلى أمه و هي به ضنينة و لفراقه أليمة.
و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم ست سنين و ثلاثة أشهر فيحاء، ماتت أمه آمنة و هو معها و في صحبتها راجعين من المدينة بالأبواء، و هي قرية من عمل الفرع بين مكة و المدينة و إلى المدينة أقرب، و دفنت فيه على القول الصحيح المشهور المنتخب. و قيل: إنها دفنت بمكة ذات الصفا زادها اللّه شرفا. ثم من أهل مكة من يرى أن قبرها في شعب أبي ذيب بالحجون و هو جبل بالمعلاة الجامعة. و منهم من يرى أنه بالمعلاة أيضا لكن في دار رائعة، و على هذا اقتصر في القاموس و شهر الأول في تاج العروس. و قال بعضهم: أنها دفنت أولا بالأبواء و كان قبرها هناك و هو معظم مصون فنبشت و نقلت إلى مكة بالحجون، و اللّه أعلم.
و لما ماتت ضمه جده عبد المطلب إليه و اختص بكفالته ورق عليه، و كان يدخل عليه إذا خلا و إذا نام و يجلس على فراشه دون غيره من أولاده بالتمام. و لما تمّت له ثمان سنين مات جده الغالب و هو عبد المطلب و كفله عمه شقيق والده أبو طالب و كان يحبه حبا شديدا لا يحب مثله أحدا، و لذلك لا ينام إلا إلى جنبه و يخرج به متى خرج أبدا. و لما أتت له صلى اللّه عليه و سلم اثنتا عشرة سنة و شهران و عشرة أيام خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى فرآه بحيرا الراهب هناك فعرفه بصفته إذ ذاك، فجاء و أخذ بيده و قال: هذا سيد المرسلين، هذا سيد العالمين، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين. فقيل له:
و ما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق شجر و لا حجر إلا خرّ له ساجدا و لا يسجدان إلا لنبي و إني أعرفه بخاتم النبوّة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة و إنا نجده في كتابنا. و ناشد أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود، ففعل.
و لما بلغ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة، في قول ابن هشام، أو عشرين سنة في قول ابن إسحاق، هاجت حرب الفجار و هي كنجار، حرب كانت بين البطون القرشية و بين قيس عيلان في الجاهلية فشهد صلى اللّه عليه و سلم بعض أيامهم، أخرجه بعض أعمامه إليهم قال ٧: فكنت أنبل على عمومتي- أي أناولهم النبل-. سميت فجارا لأنها كانت في الشهر الحرام الذي حرموا فيه القتال على الدوام ففجروا فيه جميعا بانتهاك حرمته و نبذ ما كانوا عليه من نزاهته. و للعرب فجارات أربع ذكرها المسعودي.