مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤٤٩ - مولد البرزنجي نثرا
ثم عرض نفسه صلى اللّه عليه و سلم على القبائل بأنّه رسول اللّه في الأيام الموسميّة، فامن به ستّة من الأنصار اختصّهم اللّه تعالى برضاه. و حجّ منهم في القابل اثنا عشر رجلا و بايعوه بيعة حقّيّة، ثم انصرفوا و ظهر الإسلام بالمدينة فكانت معقله و مأواه، و قدم عليه صلى اللّه عليه و سلم في الثالثة سبعون أو و خمسة أو و ثلاثة و امرأتان من القبائل الأوسيّة و الخزرجيّة، فبايعوه و أمّر عليهم اثنا عشر نقيبا جحاجحة سراة، و هاجر إليهم من مكّة ذوو الملّة الإسلامية، و فارقوا الأوطان رغبة فيما أعدّ لمن هجر الكفر و ناواه. و خافت قريش أن يلحق صلى اللّه عليه و سلم بأصحابه من الفورية، فائتمروا بقتله فحفظه اللّه تعالى من كيدهم و نجّاه.
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
و أذن له صلى اللّه عليه و سلم في الهجرة فرقبه صلى اللّه عليه و سلم المشركون ليوردوه بزعمهم حياض المنيّة، فخرج عليهم و نثر على رءوسهم التّراب و حثاه، و أمّ صلى اللّه عليه و سلم غار ثور و فاز الصّدّيق بالمعية، و أقاما فيه ثلاثا تحمي الحمائم و العناكب حماه ثمّ خرجا منه ليلة الاثنين و هو صلى اللّه عليه و سلم على خير مطية. و تعرّض له سراقة فابتهل فيه إلى اللّه تعالى و دعاه، فساخت قوائم فرسه في الأرض الصّلبيّة، و سأله الأمان فمنحه إيّاه.
و مرّ صلى اللّه عليه و سلم بقديد على أمّ معبد الخزاعية، و أراد ابتياع لبن أو لحم منها، فلم يكن شيء من ذلك خباؤها قد حواه. فنظر صلى اللّه عليه و سلم إلى شاة في البيت قد خلّفها الجهد عن الرّعية، فاستأذنها في حلبها فأذنت و قالت: لو كان بها حلب لأصبناه، فمسح صلى اللّه عليه و سلم ضرعها بيده الشّريفة و دعا اللّه تعالى مولاه و وليه، فدرّت فحلب و سقى كل من وصب من القوم و أرواه. ثم حلب صلى اللّه عليه و سلم و ملأ الإناء و غادره لديها آية جلية. و جاء أبو معبد و رأى اللبن فذهب به العجب إلى أقصاه، و قال: أنّى لك هذا و لا حلوب في البيت تبضّ بقطرة لبنيّة. فقالت: مرّ بنا رجل مبارك كذا و كذا، حكت جثمانه و معناه. فقال لها: هذا صاحب قريش و أقسم بكلّ إلهية، على أنّه لو رآه لآمن به و اتّبعه و أدناه. و قدم صلى اللّه عليه و سلم المدينة يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول و أشرقت به أرجاؤها الزّكية، و تلقّاه الأنصار، و نزل صلى اللّه عليه و سلم بقباء و أسّس مسجدها على تقواه.
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
و كان صلى اللّه عليه و سلم أكمل النّاس خلقا و خلقا ذا ذات و صفات سنية، مربوع القامة أبيض اللّون مشربا بحمرة واسع العينين أكحلها، أهدب الأشفار قد منح الزّجج حاجباه، مفلّج