مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٦٤ - مولد المناوي
ما اشتهر في حقّه عند قريش و رأت من الأمارات النبويّة، و الأمانة و صدق الكلام، و أول من آمن به من الصّبيان عليّ صاحب القوّة العليّة، و هو الذي يدعى من بين الخلفاء الرّاشدين بالإمام، و أول من آمن به من الموالي زيد و من الأرقّاء بلال مولى الحضرة الصّدّيقيّة، و هو الذي كان يؤذّن للصلاة إذا حضر وقتها ثم يشرع في المعقّبات بعد السلام، ثم أسلم عثمان و غيره و صار الناس يدخلون في دين اللّه فئة بعد فئة هداية ربّانية، حتى كثر سواده و تزايدت الأقوام، ثم كمل اللّه له أعلى المراتب و جمّله بأجمل المواهب اللّدنيّة، و برّأه من كل عيب و أرهب به أعداءه و أيّده بجنوده و أنزل عليه سكينته و كساه جلابيب الاعتصام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و كان صلى اللّه عليه و سلم يخفي عبادة ربّه و من معه من الجماعة الصحابية حتى أنزل اللّه عليه:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فجهر بما أمر به من تبليغ الأحكام، فكان يدور على الناس في منازلهم و يقول: يا أيها الناس إن اللّه يدعوكم أن تعبدوه و لا تشركوا معه أحدا في الألوهية، و أبو لهب وراءه يقول: يا أيها الناس إنّ هذا يدعوكم أن تتركوا دين آبائكم و أجدادكم و تذروا عبادة الأصنام. و كانوا يترقّبونه إذا جاء لصلاته فيضحكون عليه و يستسخرون به لسوء سرائرهم القبيحة، فنهاهم أبو بكر عن ذلك فلم ينتهوا لما حلّ باذانهم و أبصارهم و بصائرهم من الصّمم و العمى، فبئس القوم اللّئام، و رماه الوليد بن المغيرة هو و من معه بالمقالات الباطلة الزّوريّة، و وصفوه بالشّعر و الكهانة و الجنون حيث لم ينظروا في العواقب و لم يخشوا الملام. و لما جاء صلى اللّه عليه و سلم للصّلاة قام عقبة بن أبي معيط فلفّ ثوبه على رقبته و خنقه خنقا شديدا، فأدركه أبو بكر بهمّته العزميّة، فأخذ بمنكب الكافر و دفعه عن رسول اللّه عليه الصلاة و السلام و قال: أ تقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه كما قال مؤمن العصابة الفرعونية، فرضي اللّه تبارك و تعالى عن أبي بكر و أرضاه و جازاه بالمهابة و القبول و الاحترام. ثم قال أبو جهل لمن حوله: أ تزعمون أن محمّدا يأتي الكعبة و يعفّر بترابها جبهته يا ذوي الحميّة، فأجابوه بنعم فقال: لو رأيته لاذيته و أسقيته شراب الحمام. فلمّا جاء صلى اللّه عليه و سلم الكعبة قام أبو جهل ليقضي منه ما أضمره له في بواطنه الخبيثيّة، فرأى حوله خندقا من نار و احتجب عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بأجنحة الملائكة الكرام، فرجع أبو جهل خائبا خاسرا و أخبر قومه بما رآه مشاهدة عينيّة، و لكن أعمى اللّه البصائر فراغت عن الحق القلوب و غابت الأفهام، و ما زال في بغيه و عناده و مكائده السّوئيّة إلى أن أورد اللّه روحه نارا ذات عذاب شديد و انتقام، و عاش صلى اللّه عليه و سلم آمنا مطمئنا في أعلى