مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٥٤ - مولد المناوي
رأسها و قد كسيت حلّة القوّة و الشجاعة كأنه لم يكن بها شيء من الأسقام، فكانت تسعى بهم كالجواد فقالت المراضع: يا حليمة ليست هذه أتانك الأوليّة، فرفعت الأتان رأسها و خاطبهم لسان حالها بأفصح خطاب و أبلغ كلام قائلا: أنتن في غفلة لو تعلمن من على ظهري، على ظهري خير النّبيين و سيّد المرسلين و رسول الحضرة الربّانية به بعثني اللّه و أحياني بعد موتي و عافاني فسبحان محيي العظام.
على ظهري إمام الأنبياء * * * مليح الوجه مرفوع اللّواء
رحمت به و نلت كمال سعدي * * * و أنسي و السرور مع الهناء
و توّجني بتاج العزّ ربي * * * و ألبسني القوى و أزال كربي
و أخرج من حشاي ظلام قلبي * * * و شرّفني و تمّم لي عطائي
و طيّب لي بعنبره نفوسي * * * فيا فرحي بطلعة ذا العروس
به نلت الكمال على جنوسي * * * و ربّ العرش أوفى لي منائي
و أفنى ذلّتي و أجلّ قدري * * * و قوّى همّتي و أعزّ أمري
و أبدلني الهنا من بعد صبري * * * على ما كنت فيه من العناء
و سلّمني من المحن الرّديّة * * * و أمشاني بأعضاء قويّة
و جمّلني بحالات بهيّة * * * و كمّل نور عيني بالضّياء
فيا ذا الفضل يا مولى العطايا * * * و يا من فضله عمّ البرايا
أقلني يا كريم من الخطايا * * * و من سوء الرّدى عجّل دوائي
و آمن روعتي و اغفر ذنوبي * * * و اكرم شيبتي و استر عيوبي
و سامح هفوتي و أزل خطوبي * * * إذا نصبت موازين القضاء
و جد بالعفو و الغفران و اسمح * * * لمن في روضة الأوزار يمرح
و أمسى راعيا فيها و أصبح * * * و ضيّع وقته في الاجتراء
هو العبد المناوي الذّليل * * * أسير الذّنب موقفه طويل
ضعيف القلب ناصره قليل * * * فقير الحال مقطوع الرّجاء
فبينما هم يسيرون إذ رأتهم في الطريق طائفة يهودية، فأخبروا كبيرهم بما شاهدوه من الأمارات و إظلال الغمام، و قالوا: يا كبيرنا ظهر الذي دلّت على أوصافه كتبنا القديمة الموسويّة، الذي يبين الحق و يخفي الباطل و يظهر الإيمان و الإسلام. فقال لهم كبيرهم: دونكم فاقتلوهم عن آخرهم. فبرزوا لقتالهم و سلّوا سيوفهم المهنديّة، فلما رأتهم حليمة بكت بكاء شديدا و نظرت إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم تشكو له ما ستفعله الكفرة اللّئام، فتبسّم صلى اللّه عليه و سلم و هو بين يديها حتى بدت الأنوار من بين مباسمه السّكرية، مشيرا لها أن لا