مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٤٩ - مولد المناوي
لما استهل و لاح نور جماله * * * غمر الورى من فيض بحر نواله
فتحت لنا بطلوع شمس كماله * * * بالعفو و الرّضوان أبواب الحمى
يا واسع الغفران يا باب الرّجا * * * يا ذا المراحم يا عظيم المرتجى
عبد ضعيف يرتجي منك النّجا * * * من هول يوم فيه يشتدّ الظّما
فهو المناويّ الذّليل المذنب * * * يبغي رضاك و من به يتقرّب
تشرق به شمس الذنوب و تغرب * * * و فؤاده مما جناه تصرّما
و لما استقر نور محمد صلى اللّه عليه و سلم في بطن أمّه بشّرتها الأنبياء في كل شهر من شهور الحمل بالبشائر الجليلة البهيّة، ففي الشهر الأول جاءها السيّد آدم و بشّرها في منامها بأنها حملت بشفيع المذنبين يوم الزّحام، و في الشّهر الثاني جاءها شيث و بشّرها في منامها بأنها حملت بدرّة بهجة الأنوار المصطفويّة التي فرّع اللّه منها جميع الأشياء و أتقنها ببدائع الإحكام، و لما تمّ لحمله صلى اللّه عليه و سلم شهران على أصح الأقاويل الشهريّة، توفّي أبوه عند أخواله و هو راجع من الشام، فقالت ملائكة السماوات السبع الطباقية: ربّنا بقي نبيّك يتيما، فقال تعالى: يا ملائكتي أنا خالقه و حافظه أينما سار أو قام. و في الشهر الثالث جاءها نوح و بشّرها في منامها بأنها حملت بسفينة العلوم اللّدنية، الذي أعلا عماد الإيمان و مناره أقام، و في الشهر الرابع جاءها الخليل إبراهيم و بشّرها في منامها بأنها حملت برسول الملّة السّمحاء الحنيفية، الذي جاهد الكفّار و المنافقين و أبطل عبادة الأصنام.
و في الشهر الخامس جاءها الذّبيح إسماعيل و بشّرها في منامها بأنها حملت بأفضل من نطق بالعربية الذي شرّف اللّه به زمزم و الحطيم و الرّكن و المقام. و في الشهر السادس جاءها السيد داود و بشّرها في منامها بأنها حملت بمن كانت الجوامد في يده ليّنة طريّة الذي أحيا الليل بالعبادة حتى تورّمت منه الأقدام. و في الشهر السابع جاءها السيد سليمان و بشّرها في منامها بأنها حملت بعين الأعيان الإنسانية الذي أعطاه اللّه بساط العناية و جرت بين يديه رياح الهداية و أصبحت ملائكة السماوات لحضرته من الخدّام.
و في الشهر الثامن جاءها السيد موسى و بشّرها في منامها بأنها حملت بطور التّجليات الإلهية الذي خاطبه اللّه من فوق سبع سماوات و خفض دون مقامه كل مقام. و في الشهر التاسع جاءها عيسى بن مريم الطاهرة العمرانية و بشّرها في منامها بأنها حملت بأفضل من حجّ و اعتمر و صلّى و صام. و لما كملت عدّة أشهره أشرقت الأقطار بالأنوار المحمدية، و نشرت له في جوانب الأرض الأعلام. و لما جاء شهر ربيع الأول الذي فتح اللّه فيه أبواب العطيّة و طلعت فيه شموس الإيمان و فتحت كنوز الإنعام، حضرت ليلة مولده المنيرة القمريّة، و اشتدّ بآمنة الطلق بلا وجع و لا إسقام، و كانت السيّدة وحيدة في منزلها، فدخلت عليها النسوة الحوريّة، و معهنّ آسية امرأة فرعون و مريم ابنة عمران