مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٤٠ - خاتمة
و تضاممهم و الإصغاء بالسمع و إرسال البصر في المستحسنات المحظورة المسموعة و المنظورة عند تشاغل الولدان بالأذكار و الأشعار قبل اشتهار ضوء النهار، هي التي تكدر صفاء هذه الحالة المرضية و توجب للمتدين أن لا يتشاغل بما يوقع في هذه البلية، و أن يسد هذا الباب عن نفسه بالكلية، فإذا تركتم العمل بذلك لأجل ما يؤول إليه من الفساد لا لأجل كونه بدعة يؤمر بتركه في كل حال من الأحوال، كانت نيّتكم فيه صحيحة و لا يضركم توسّم الناس فيكم الصلاح بسبب ذلك و لا حاجة بكم إلى ذم الناس بتقدير رجوعكم إلى الحالة الأولى. انظر تمام كلامه رضي اللّه عنه و قد نقله العلامة ابن زكري في شرح همزيته عند قوله:
يوم مولده على سائر الأعيا * * * د فضله في الوضوء ضحاء
و لليلته على ليلة القد * * * ر علوّ بقربه و زكاء
و لا يخفى عليك أن الأظهر كراهة صيام يوم المولد لوضوح علّته المشار لها في كلام العارف ابن عباد و نقلها الشيخ زروق كما رأيته، و أما ما ذكره الإمامان الحافظ ابن حجر العسقلاني و ابن حجر الهيثمي من تعليل استحسان صيامه بأنه من مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر قياسا على يوم عاشوراء فغير ظاهر لأن شرط القياس المساوات كما تقرر في الأصول، فإن يوم عاشوراء ورد عن الشرع الترغيب في صيامه بالخصوص و ليس يوم عيد و إنما هو موسم من المواسم الفاضلة المرغّب في صيامها، و أما يوم المولد فهو، و إن كان الأصل إباحة صيامه بل أفضليته لكونه من الأيام الفاضلة، لكن لما انعقد الإجماع من بعد القرون الثلاثة على اتخاذه عيدا من أعياد المسلمين و إجماعهم حجّة و لا تجتمع الأمة على ضلالة، فالأولى قياسه على سائر الأعياد في الجملة فهو من باب تعارض المانع و المقتضي و معلوم أنه إذا تعارض المانع و المقتضى فالمقدم المانع، و إنما لم يحرم صيامه كغيره من الأعياد لأنه لم يكن عيدا في زمن النبوّة و لا في القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم بالخيرية، فلذاكره فقط نظرا للإجماع المذكور و اتخاذه عيدا و إن كان بدعة أي لغوية، لكن البدعة اللغوية تعرض لها الأحكام الخمسة كما هو مقرر. و أما تعليلهما استحسان الصيام بأنه من مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر فنقول: إن ذلك ليس على إطلاقه بل محله ما لم يمنع منه مانع كما علمته هنا، و اللّه تعالى أعلم.
اللّهم يا باسط اليدين بالرحمة و العطية، يا من إذا رفعت إليه أكف عبده أعطاه مطلبه و أمنيته، يا من تنزّه في ذاته و صفاته عن المثلية، و تفرّد بالقدم و البقاء و العزّة و العظمة و الألوهية، يا من وسعت رحمته من أطاعه و عصاه و سائر البرية، يا من لا يرجى غيره و ليس إلّا على فضله المعول، أنت الظاهر و الباطن و الآخر و الأول، أسألك اللّهم