مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦
أقول: حاصل هذا الكلام هو التفرقة بين الأصول التنزيليّة و غير التنزيليّة فيما هو المجعول في المقام. و هذه الفكرة في
- بلحاظ الشأن الثانيّ، و أنّ الأصول التنزيليّة جعلها الشارع علما بلحاظ الشأن الثالث، و أنّ الأصول العمليّة غير التنزيليّة أعطاها الشارع أيضا التنجيز و التعذير، لكن لا بلسان جعلها علما كما كان الأمر في الأصول التنزيليّة، و إنّما بمجرّد لسان حكم تكليفيّ طريقيّ يؤدّي إلى التنجيز و التعذير«»، و أنّ هذا سبب في حكومة الأصول التنزيليّة على الأصول العمليّة غير التنزيليّة، لأنّ الأصول التنزيليّة فرضت علما تعبّدا بلحاظ مستوى من المستويات، فرفعت موضوع الأصول العمليّة غير التنزيليّة.
و الواقع أنّ هذا البيان أيضا لا يرجع إلى محصّل معقول، لأنّ الغاية في الأصول غير التنزيليّة إنّما هي العلم بما لها من مرتبة الكشف، و التي هي حقيقة العلم، كما هو الحال في التنزيليّة، و ليست الغاية فيها مجرّد العلم و بلحاظ الشأن الثالث، حتى إذا فرض إثبات ذلك تعبّدا للأصول التنزيليّة تصبح حاكمة على الأصول غير التنزيليّة.
هذا، مضافا إلى أنّ الدليل على التفريق بين الأمارات و الأصول التنزيليّة بجعل الأمارات علما في الشأن الثاني - و هو الكشف - و الأصول التنزيليّة علما في الشأن الثالث الّذي هو اقتضاء الجري العمليّ مفقود، عدا القول بأنّ الأمارات بما أنّ لها حظّا من الكشف كانت قابلة لتتميم الكشف تعبّدا، بخلاف الأصول التنزيليّة التي ليس لها حظّ من الكشف. و هذا جوابه: أنّ اعتبار الكشف تعبّدا سهل المئونة، و ما دمنا نتكلم على مستوى ألسنة الدليل لا فرق من هذه الناحية بين الأمارة و الأصل التنزيليّ الّذي جعل علما تعبّدا، و لا مبرّر لحمل الثاني على إعطاء الشأن الثالث من شئون العلم إيّاه بخلاف الأوّل.
و قد تحصّل: أنّ التفكيك بين الأصل التنزيليّ و الأصل العمليّ غير التنزيليّ بالوجه الّذي ذكره المحقّق النائينيّ رحمه اللّه لا أساس له.