مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٩
و من هنا يظهر دفع الوجه الثاني بعد ما عرفت من أنّه لا شاهد على كون الآية بصدد التحدّث عن العذاب الواقع في الأمم السالفة عدا التعبير بصيغة الماضي، و وجه الاندفاع هو أنّ التعبير بالماضي يكون بنكتة أنّ المقصود هو نفي الشأنيّة لا نفى الفعليّة، و الشأنيّة منفيّة من أوّل الأمر.
على أنّ سياق الآية يناسب أن يكون النّظر إطلاقا، أو اختصاصا إلى العذاب الأخرويّ، إذ في ما قبل الآية [١] يتحدث عن يوم القيامة، و في نفس هذه الآية يتكلّم عن قانونين: أوّلهما:
قانون أخرويّ، (قال تعالى): من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه، و من ضلّ فإنّما يضلّ عليها، و لا تزر وازرة وزر أخرى، و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً فالقاعدة الأولى هي: أنّ غير العاصي لا يعذّب بعذاب العاصي، و كلّ شخص تكون هدايته و ضلاله له و عليه، و هذا من قوانين جزاء الآخرة، بل لا ينطبق
- الاستحقاق فحسب، بل هناك تأثيرات وضعية و نظم خاصّة مرتبطة بشأنيّة إنزال العذاب في الدنيا، فاللّه (تعالى) يخبر بأنّه ليس من شأنه إنزال العذاب الّذي هو بدافع هداية الآخرين على الأمّة مع وجود الرسول فيهم رغم استحقاق الأمّة لما فيه من هلاك الرسول معهم المرسل لهداية الناس، و ليس من شأنه أيضا إنزال العذاب في الدنيا و هم يستغفرون، لأنّ العذاب في الدنيا يكون بدافع الهداية، و الاستغفار هداية و حصول للمقصود، فلا معنى لإنزال العذاب.
>[١] و الآيتان اللتان وقعتا قبل هذه الآية ما يلي: و كلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه، و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.