مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٣
ينجّز على العباد التكاليف إلاّ إذا بيّنها لهم، و هذا غير ما نحن بصدده، فإنّ كلامنا ليس في فرض عدم البيان من اللّه، و نحن نعلم أنّ اللّه (تعالى) قد بيّن تمام الأحكام على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، و إنّما نشأ شكّنا في التكليف من ناحية احتمال استتار البيان علينا باعتبار ظلم الظّالمين. و هذا لا يكون مشمولا للآية الكريمة.
قلت: هذا أيضا خلاف الإنصاف، فإنّ الآية لا تقول: (لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما بيّنه في نفسه) بل تقول: لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها فلا بدّ من فرض الإيتاء لكلّ نفس نفس حسب القضيّة الحقيقيّة، فلا بدّ أن يكون المقصود بالإيتاء هو الإيصال بالمعنى المفيد في مورد الكلام، لا مجرّد البيان و إن لم يصل.
بقي الكلام في أنّ الآية الشريفة هل تدلّ على البراءة الشرعيّة التي هي على مستوى البراءة العقليّة عند مدّعيها - أي أنّه يكفي في رفع موضوعها بيان إيجاب الاحتياط، أو تدلّ على ثبوت البراءة ما لم يبين نفس التكليف و لم يصل إلى العبد - فلو دلّ دليل على إيجاب الاحتياط لا على نفس التكليف وقعت المعارضة بينهما.
و التحقيق في ذلك: أنّه لا بدّ أن يرى أنّ النسبة بين الفعل و ما أثبتنا إرادته من الموصول بالإطلاق و هو التكليف هل هي نسبة السببيّة، أو نسبة المورديّة؟ فإن كانت النسبة هي نسبة السببيّة كان معنى الآية: أنّ اللّه (تعالى) لا يوجد كلفة على العباد