مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٥
العقل لا يحكم بالثبوت و لا بالنفي، لأنّه شاكّ فلا موجب لحكمه بأحد الطرفين. و فرّع الشيخ الطوسيّ في (العدة) على التوقّف وجوب الاحتياط بحكم العقل، لأنّ الإقدام على ما لا يؤمن المحذور و المفسدة فيه قبيح كالإقدام على ما يعلم بوجود المفسدة فيه. ففي مقام الحكم و إن كان العقل يتوقّف و لكن في مقام العمل يلزم المكلّف بالاحتياط، ثمّ يقول: و هذه القاعدة - أي قاعدة وجوب الاحتياط بحكم العقل - لا نرفع اليد عنها إلاّ بما ثبت في الشرع من النص القائل عنهم عليهم السلام: (إنّ كلّ شيء حلال حتى يأتي فيه النهي). و هذا الكلام من الشيخ الطوسيّ الّذي يضيفه إلى شيخه و هو المفيد (رضوان اللّه عليهما) واضح في خلاف فكرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و أمّا ابن زهرة فبعد مائة سنة بعد الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه ذكر في (الغنية) الحكم بالبراءة العقليّة لكن لا بمعنى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل من باب قبح التكليف بما لا يطاق، و من الواضح أنّ هذا أجنبي عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لهذا قيل عليه: لما ذا لا يطاق التكليف بغير المعلوم؟ بل يطاق امتثاله و لو بالاحتياط، و قد تعرّض الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لكلام ابن زهرة و وجّهه بأنّ مقصوده من التكليف بما لا يطاق، التكليف بما لا يطاق امتثاله بقصد الامتثال، لأنّه مع الشكّ لا يتحقّق قصد الامتثال«». هذا ما وجّه به الشيخ الأعظم كلام ابن زهرة. فكأنّ ابن زهرة كان يعتقد بقبح التكليف بما لا يطاق امتثاله بقصد الامتثال.