مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٣
أقول: إنّ هذا التقريب إنّما يتمّ بالنسبة للموالي العرفيّين الذين يلاحظون في أوامرهم على عبيدهم مصالح أنفسهم لا مصالح العبيد، فيصحّ للمولى أن يمتنّ على عبده برفع اليد عن تلك المصلحة و ينتفي هذا الامتنان في فرض عدم الملاك و انتفاء المصلحة في ذاتها. و أمّا بالنسبة للمولى الحقيقيّ (تعالى شأنه) فلا يتصوّر أن يمنّ على العباد برفع حكم عنه بعنوان أنّه رفع اليد عن تحقيق مقتضي الحكم و تحصيل مصلحته، فإنّ مصلحته راجعة إلى العباد أنفسهم لا إلى المولى.
و إنّما الامتنان المعقول في حقه في هذا الرفع هو أن يمنّ عليهم برفع الحكم عنهم بعنوان أنّ هذا الرفع كان في صالحهم فحقّق لهم مصلحتهم بهذا الرفع سواء فرض أنّه كانت في الحكم مصلحة و كان الرفع مفوّتا لها لكنّه كانت مصلحة الرفع أقوى من المصلحة الفائتة، أو أنّه لم تكن في الحكم مصلحة أصلا، و كانت المصلحة في الرفع فحسب، و لا معنى لصحّة الامتنان في خصوص فرض مفوّتيّة الرفع لمصلحة أدنى دون فرض عدم مفوّتيّة لها.
التقريب الثاني: أنّ الشارع قد بيّن النفي في هذا الحديث بلسان الرفع، و هذا اللّفظ إنّما يستعمل حقيقة في النفي بعد الوجود، فإنّ الرفع نفي و إعدام للموجود، لا نفي للوجود من أوّل الأمر. و من المعلوم أنّ الحكم في الحصّة التي تكون موردا لهذه العناوين، كالاضطرار و الإكراه منفيّ من أوّل الأمر، لا أنّه يحرم أوّلا إتيان ما اضطرّوا إليه، أو، أكرهوا عليه ثمّ ترفع الحرمة.