التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - تأويلات هي تخرصات
عقلوه و لا شاهدوه، و كيف يؤمنون بك و قد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متّسعا لغيري، و على سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلّا منّي، و على أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي فلا يبصرون سواي. و لهم عذاب عظيم عندي أردّهم بعد هذا المشهد السنيّ إلى إنذارك و أحجبهم عنّي كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا، أنزلتك إلى من يكذّبك و يردّ ما جئت به إليه منّي في وجهك، و تسمع فيّ ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شاهدته في إسرائك، فهكذا أمنائي على خلقي الذين أخفيتهم رضاي عنهم فلا أسخط عليهم أبدا.
ثمّ أخذ في تفصيل هذا البيان، و قال: انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه، و ذلك لما أبدع الأمناء من اسمه اللطيف و تجلّى لهم في اسمه الجميل، فأخبوه. و الغيرة من صفات المحبّة في المحبوب و المحبّ، فستروا محبّته غيرة منهم عليه كالشبلي و أمثاله و سترهم بهذه الغيرة عن أن يعرفوا فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا ما بدا لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة، فقال:
لا بدّ أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي فتأهّبوا لذلك، فما استعدّوا.
فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرّسل في ذلك العالم فما عرفوا، لأنهم في عين الجمع، و خاطبهم من عين التفرقة، و هم ما عرفوا عالم التفصيل فلم يستعدّوا، و كان الحبّ قد استولى على قلوبهم سلطانه غيرة من الحقّ عليهم في ذلك الوقت، فأخبر نبيّه بالسبب الذي أصمّهم على إجابة ما دعاهم إليه فقال: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فلم يسعها غيره. وَ عَلى سَمْعِهِمْ، فلا يسمعون سوى كلامه وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ من سناه إذ هو النور، و بهائه إذ له الجلال و الهيبة، فأبقاهم غرقى في بحور اللذّات بمشاهدة الذات، فقال لهم: لا بدّ لكم من عذاب عظيم. فما فهموا ما العذاب، لاتّحاد الصفة عندهم، فأوجد لهم عالم الكون و الفساد، و حينئذ علّمهم جميع الأسماء، و أنزلهم على العرش الرحمانيّ و فيه عذابهم، و قد كانوا مخبوءين عنده في خزائن غيوبه، فلمّا أبصرتهم الملائكة خرّت سجودا لهم فعلّموهم الأسماء. فأمّا أبو زيد فلم يستطع الاستواء و لا أطاق العذاب فصعق من حينه، فقال تعالى: ردّوا عليّ حبيبي، فإنّه لا صبر له عنّي، فحجب بالشوق و المخاطبة و بقي الكفّار فنزلوا من العرش إلى الكرسيّ فبدت لهم القدمان فنزلوا عليهما في الثلث الباقي من ليلة هذه النشأة الجسميّة إلى سماء الدنيا النفسيّ فخاطبوا أهل الثقل الذين لا يقدرون على العروج: هل من داع فيستجاب له، هل من تائب فيتاب عليه، هل من مستغفر فيغفر له، حتّى ينصدع الفجر، فإذا انصدع