التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - تأويلات هي تخرصات
ظهر الروح العقلي النوري، فرجعوا من حيث جاءوا.
[م/ ٥٥] قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من كان مواصلا فليواصل حتّى السحر فذلك أوان بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ فكلّ عبد لم يحذر مكر اللّه فهو مخدوع».[١]
و هكذا يذهب في هواجسه و يخبط في تشويه آيات الذكر الحكيم من غير مبالاة. انظر كيف جعل القدح مدحا و الذمّ ثناء و قلب ظهر المجنّ، و هو يحسب أنّه يحسن صنعا.
و هكذا يرى من فرعون أنّه آمن عند الغرق فمضى طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث.
قال في الفصّ الموسوى: إنّ امرأة فرعون و كانت منطقة بالنطق الإلهي قالت لفرعون في حقّ موسى: إنّه قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ[٢] فقرّة عينها بالكمال- حيث تكلّم الحقّ بلسانها- و كان قرّة عين فرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه له عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث. لأنّه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام، و الإسلام يجبّ ما قبله. و جعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتّى لا ييأس أحد من رحمة اللّه. فلو كان فرعون ممّن ييأس ما بادر إلى الإيمان.
فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون فيه: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا و كذلك وقع، فإنّ اللّه نفعهما به[٣].
انظر كيف يجرأ على اللّه في تقوّله و يضادّ القرآن في صريح كلامه تعالى.
قال تعالى- مؤنّبا فرعون في إيمانه حينذاك-: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ[٤].
و قد قال تعالى: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً[٥].
و هكذا وقع بشأن فرعون لم يقبل إيمانه و لم يزل يكابد العذاب الأليم عبر البرزخ حتّى يرد النار مع قومه في الآخرة.
وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
[١] انظر: الفتوحات المكيّة ١: ١١٥- ١١٧.
[٢] القصص ٢٨: ٩.
[٣] الفصّ الموسوي من الفصوص: ٤٥٢- ٤٥٣ بشرح القيصري. و له في الفتوحات ٢: ٢٧٦، كلام أغرب و أفحش بشأن فرعون و أنّه كان مؤمنا في باطنه، جبروتا في ظاهره. فلمّا يئس من كبريائه أظهر باطنه و أصبح من الفائزين.
[٤] يونس ١٠: ٩١.
[٥] النساء ٤: ١٨.