التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - صياغة القرآن
لوجب أن يكون بصيغة المتكلم.
و غير ذلك من قرائن و دلائل ظاهرة بل صريحة على أنّ القرآن بجملته- لفظا و معنى- من صنيع السماء و ليس من دونها.
أضف إلى ذلك: أنّه معجزة الإسلام الخالدة، و أنّه يعجز البشر- أيّا كان، النبيّ أو غيره- أن يأتوا بمثله، و التحدّي لا يخصّ المعنى، و إنّ للّفظ و نظمه و نضده، قسطا وافرا في هذا التحدّي، فلو كان للنبيّ أن يأتي بمثل نظم القرآن و أسلوبه البديع، لكان من المستطاع نقض التحدّي على يد بشر.
على أنّا لا نجد في كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا غيره من أمراء البيان كالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ما يضاهي القرآن أو يماثله في صياغة البيان.
و ذكر الإمام بدر الدين الزركشي: أنّه نقل بعضهم عن السمرقندي[١] حكاية ثلاثة أقوال في المنزل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
أحدها- و هو الرأي السائد-: أنّ النازل هو اللفظ و المعنى معا، حسب صريح تعبير القرآن.
ثانيها: أنّ جبرائيل إنّما نزل بالمعاني خاصّة، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو صاغها في صياغة اللسان العربي المبين، نظرا لقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ[٢]. و قوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ[٣]. بزعم أنّ الذي يعيه القلب هو المعنى دون اللفظ الذي يخصّ مدرك السمع.
ثالثها: أنّ جبرائيل هو الذي كان يفرغها في قوالب الألفاظ بلسان عربيّ مبين، ثمّ كان يلقيها على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و من ثمّ كان أهل السّماء استمعوا إلى قرآن جبرائيل، و جعلوا يقرءونه بالعربيّة.
و لا مستند لهذا القول سوى ما روي من نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا أو الرابعة، ثمّ نزل تدريجا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في طول عشرين سنة.[٤]
قال الجويني[٥]: الوحي على قسمين: أحدهما أن يأمر اللّه جبرائيل بأن يقول للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم افعل كذا، أو أنّ اللّه أمر بكذا. فكان جبرائيل يتلقّى المعنى و يلقيه على قلب النبيّ.
[١] هو: أبو بكر محمّد بن اليمان السمرقندي( ت ٢٦٨) كان فقيها حنفيّا و متكلّما.
[٢] الشعراء ٢٦: ١٩٣- ١٩٤.
[٣] البقرة ٢: ٩٧.
[٤] راجع: البرهان ١: ٢٢٩- ٢٣٠. و نقله السيوطي في الإتقان ١: ١٢٦.
[٥] هو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف، إمام وقته و من تغني شهرته عن ذكره، و من بارك اللّه في تلامذته حتّى صاروا أئمّة الدنيا، مثل الخوافي و الغزالي و الكياهراسي و غيرهم. توفّي سنة ٤٧٨ بنيسابور.