التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩ - تأويلات قد تحتمل القبول
يعبدون أنفسهم و لا يتّخذونها أربابا.
و لكن له وجه جار على الصحّة، و ذلك أنّه لم يقل إنّ هذا هو تفسير الآية[١] و لكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعيّ الذي شهد له القرآن من جهتين.
إحداهما: أنّ الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار، فيجريه فيما تنزل فيه، لأنّه يجامعه في القصد أو يقاربه؛ لأنّ حقيقة الندّ: أنّه المضادّ لندّه الجاري على مناقضته، و النفس الأمّارة هذا شأنها، لأنّها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها، لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها.
و هذا هو الذي يعنى به الندّ في ندّه؛ لأنّ الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه.
و شاهد صحّة هذا الاعتبار قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ[٢] و هم لم يعبدوهم من دون اللّه، و لكنّهم ائتمروا بأوامرهم، و انتهوا عمّا نهوهم عنه كيف كان، فما حرّموا عليهم حرّموه، و ما أباحوا لهم حلّلوه، فقال اللّه تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ و هذا شأن المتّبع لهوى نفسه.
و الثانية: أنّ الآية و إن نزلت في أهل الأصنام، فإنّ لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم، أ لا ترى أنّ عمر بن الخطّاب قال لبعض من توسّع في الدنيا من أهل الإيمان: أين تذهب بكم هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا[٣]. و كان هو يعتبر نفسه بها، و إنّما أنزلت في الكفّار. و لهذا المعنى تقرير في العموم و الخصوص[٤]، فإذا كان كذلك صحّ التنزيل بالنسبة إلى النفس الأمّارة في الآية.
و من المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ[٥] قال: و لم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة، و إنّما أراد معنى مساكنة الهمّة لشيء هو غيره، أي لا تهتمّ بشيء هو غيري. قال:
فآدم لم يعتصم من الهمّة و التدبير فلحقه ما لحقه من أجل ذلك. قال: و كذلك كلّ من ادّعى ما ليس له و ساكن قلبه ناظرا إلى هوى نفسه فيه، لحقه الترك من اللّه، مع ما جلبت عليه نفسه، إلّا أن يرحمه اللّه فيعصمه من تدبيره و ينصره على عدوّه و عليها. قال: و آدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لمّا أدخل الجنّة، أ لا ترى أنّ البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به
[١] هذا وجه وجيه سوف نتعرّض له.
[٢] التوبة ٩: ٣١.
[٣] الأحقاف ٤٦: ٢٠. و الرواية في: شعب الإيمان ٥: ٣٤/ ٥٦٧٢؛ كنز العمّال ٣: ٧١٧/ ٨٥٥٨؛ الحاكم ٢: ٤٥٥.
[٤] هو قولهم:« العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد».
[٥] البقرة ٢: ٣٥.