التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠ - تأويلات قد تحتمل القبول
نفسه، فغلب الهوى و الشهوة على العلم و العقل و البيان و نور القلب لسابق القدر. إلى آخر ما تكلّم[١].
و هذا الذي ادّعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أنّ المراد النهي عن نفس الأكل لا عن سكون الهمّة لغير اللّه و إن كان ذلك منهيّا عنه أيضا.
و لكن له وجه يجري عليه لمن تأوّل، فإنّ النهي وقع عن القرب لا غيره، و لم يرد النهي عن الأكل صريحا، فلا منافاة بين اللفظ و بين ما فسّر به.
و أيضا فلا يصحّ حمل النهي على نفس القرب مجرّدا؛ إذ لا مناسبة فيه تظهر، و إنّما النهي عن معنى في القرب و هو إمّا التناول و الأكل، و إمّا غيره و هو شيء ينشأ الأكل عنه، و ذلك مساكنة الهمّة، فإنّه الأصل في تحصيل الأكل. و لا شكّ في أنّ السكون لغير اللّه لطلب نفع أو دفع منهيّ عنه، فهذا التفسير له وجه ظاهر. فكأنّه يقول: لم يقع النهي عن مجرّد الأكل من حيث هو أكل، بل عمّا ينشأ عنه الأكل من السكون لغير اللّه، إذ لو انتهى لكان ساكنا للّه وحده، فلمّا لم يفعل و سكن إلى أمر في الشجرة غرّه به الشيطان، و ذلك الخلد المدّعى، أضاف اللّه إليه لفظ العصيان، ثمّ تاب عليه، إنّه هو التوّاب الرحيم[٢].
و من ذلك أنّه قال في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ[٣]: أي أوّل بيت وضع للناس بيت اللّه عزّ و جلّ بمكة، هذا هو الظاهر. و باطنها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يؤمن به من أثبت اللّه في قلبه التوحيد[٤] و اقتدى بهدايته.
و هذا التفسير يحتاج إلى بيان، فإنّ هذا المعنى لا تعرفه العرب و لا فيه من جهتها وضع مجازيّ مناسب و لا يلائمه مساق بحال[٥]، فكيف هذا؟
و العذر عنده أنّه لم يقع فيه ما يدلّ على أنّه تفسير للقرآن[٦] فزال الإشكال.[٧]
و قال في قوله تعالى: وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى: أمّا باطنها فهو القلب. وَ الْجارِ الْجُنُبِ هو الطبيعة.
وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ هو العقل المقتدي بالشريعة. وَ ابْنِ السَّبِيلِ[٨] هي الجوارح المطيعة للّه عزّ و جلّ.
[١] تفسير التستري: ٢٩.
[٢] الموافقات ٣: ٣٩٩- ٤٠١.
[٣] آل عمران ٣: ٩٦.
[٤] تفسير التستري: ٥٠.
[٥] أي فهو فاقد للشرطين المتقدّمين.
[٦] بل من قبيل تداعي المعاني و تواردها من غير أن يكون تفسيرا للكلام حسبما ننبّه.
[٧] الموافقات ٣: ٤٠١.
[٨] النساء ٤: ٣٦.