التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - تأويلات قد تحتمل القبول
قال الشاطبي: و القول في «الم» ليس هكذا[١]، و أيضا فلا دليل من خارج يدلّ عليه؛ إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله، لأنّه من المسائل التي تتوفّر الدواعي على نقلها لو صحّ أنّه ممّا يفسّر و يقصد تفهيم معناه. و لمّا لم يثبت شيء من ذلك دلّ على أنّه من قبيل المتشابهات؛ فإن ثبت له دليل يدلّ عليه صير إليه.
و هناك أقوال و آراء في تفسير هذه الحروف، و كلّها غير مستندة إلى شاهد أو دليل، و بذلك ترى هذه الأقوال مشكلة إذا سبرناها بالمسبار المتقدّم[٢].
هذا و مع إشكالها فقد اتخذها جمع من المنتسبين إلى العلم، بل إلى الاطّلاع و الكشف على حقائق الأمور، حججا في دعاو ادّعوها على القرآن. و ربّما نسبوا شيئا من ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و زعموا أنّها أصل العلوم و منبع المكاشفات على أحوال الدنيا و الآخرة، و ينسبون ذلك إلى أنّه مراد اللّه تعالى في خطابه للعرب الأمّيّة التي لا تعرف شيئا من ذلك. و هو إذا سلّم أنّه مراد في الجملة، فما الدليل على أنّه مراد على كلّ حال من تركيبها بعضها ببعض و نسبتها إلى الطبائع الأربع و إلى أنّها الفاعلة في الوجود، و أنّها مجمل كلّ مفصّل و عنصر كلّ موجود؟! و يرتّبون في ذلك ترتيبا جميعه دعاو و محالة على الكشف و الاطّلاع.
قال: و دعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال، كما أنّه لا يعدّ دليلا في غيرها.
قال: و من ذلك أنّه نقل عن سهل بن عبد اللّه[٣] في فهم القرآن أشياء مما يعدّ من باطنه. فقد ذكر عنه أنّه قال في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً[٤] أي أضدادا. قال: فأكبر الأضداد، النفس الأمّارة بالسوء، المتطلّعة إلى حظوظها و مناها بغير هدى من اللّه.[٥]
و هذا يشير إلى أنّ النفس الأمّارة داخلة تحت عموم الأنداد، حتّى لو فصّل لكان المعنى:
فلا تجعلوا للّه أندادا لا صنما و لا شيطانا و لا النفس و لا كذا. و هذا مشكل الظاهر جدّا؛ إذ كان مساق الآية و محصول القرائن فيها يدلّ على أنّ الأنداد، الأصنام أو غيرها ممّا كانوا يعبدون، و لم يكونوا
[١] أي ليس في« الم» ما يشهد لهذا التفسير، كما كان في الأمثلة الثلاثة الشعريّة.
[٢] أي تطابقا مع الشرطين لقبول التأويل و التفسير الباطني.
[٣] هو: أبو عبد اللّه سهل بن عبد اللّه التستري( ت: ٢٨٣). هو أوّل من خطّ التفسير على المنهج الصوفي الباطني و تبعه بعد ذلك أناس و تصدّى أبو بكر محمّد بن أحمد البلدي لجمع آرائه التفسيريّة غير أنّه ليس بجامع، حيث الموجود في بطون الكتب أكثر منه.
[٤] البقرة ٢: ٢٢.
[٥] تفسير التستري: ٢٧.