التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٤ - أهم أسباب الوضع في الحديث
أهمّ أسباب الوضع في الحديث
ذكر الإمام الحافظ محمّد بن حبّان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي (المتوفّى سنة ٣٥٤) في كتابه الذي وضعه لبيان المجروحين من المحدّثين و الضعفاء و المتروكين، أنواعا من الجرح في الضعفاء، نذكرها بتلخيص:
النوع الأوّل، ما وضعه الزنادقة ممّن لا يؤمن باللّه و لا باليوم الآخر، كانوا يدخلون المدن و يتشبّهون بأهل العلم و يضعون الحديث على العلماء ليوقعوا الشكّ في قلوب الناس. و ربما سمع الثقات منهم ما يروون فيؤدّونها إلى من بعدهم، فوقعت في أيدي الناس حتّى تداولوها يدا بيد.
قال ابن لهيعة[١]: دخلت على شيخ و هو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: وضعت أربعمائة حديث أدخلتها في برنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع!
قال يحيى بن عبد اللّه بن بكير[٢]: سمعت الليث ابن سعد[٣] يقول: قدم علينا شيخ من الإسكندريّة يروي عن نافع- و نافع يومئذ حيّ- فأتيناه فكتبنا عنه فنداقين[٤] عن نافع، فلمّا خرج الشيخ أرسلنا بالفنداقين إلى نافع فما عرف منها حديثا واحدا. قال أصحابه: ينبغي أن يكون هذا من الشياطين الذين حسبوا[٥].
و ذكر القرطبي أنّ قوما من الزنادقة مثل: المغيرة بن سعيد الكوفي و محمّد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة و غيرهما، وضعوا أحاديث و حدّثوا بها ليوقعوا بذلك الشكّ في قلوب الناس.
فممّا رواه محمّد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنا خاتم الأنبياء لا نبيّ بعدي»: إلّا ما شاء اللّه.
فزاد هذا الاستثناء، لما كان يدعو إليه من الإلحاد و الزندقة[٦].
[١] هو: عبد اللّه بن لهيعة أبو عبد الرحمن المصري الفقيه القاضي. قال أبو داود عن أحمد: و من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه و ضبطه و إتقانه.( تهذيب التهذيب ٥: ٣٧٥/ ٦٤٨).
[٢] هو أبو زكريّا المصري الحافظ و قد ينسب إلى جدّه. ذكره ابن حبّان في الثقات( ١٥٤- ٢٣١). قال ابن عديّ: كان جار الليث بن سعد، هو أثبت الناس فيه. و عنده عن الليث ما ليس عند أحد.( تهذيب التهذيب ١١: ٢٣٨/ ٣٨٧).
[٣] هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث الإمام المصري الشهير أصله من أصبهان. قال ابن سعد: كان قد اشتغل بالفتوى في زمانه و كان ثقة كثير الحديث صحيحا و كان سربا من الرجال نبيلا سخيّا. و قال أحمد: ليس لأهل مصر أصحّ حديثا من ليث.( تهذيب التهذيب ٨: ٤٦١/ ٨٣٢).
[٤] الفنداق: صحيفة الحساب: الدفتر.
[٥] أي رجموا بالحسبانة و هي الصاعقة.
[٦] القرطبي ١: ٧٨.