التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٥ - أهم أسباب الوضع في الحديث
النوع الثاني، ما وضعه المغترّون حسبة للّه فيما زعموا. قال أبو حاتم: و منهم من استفزّه الشيطان حتّى كان يضع الحديث على الشيوخ الثقات في الحثّ على الخير و ذكر الفضائل، و الزجر عن المعاصي و العقوبات عليها، متوهّمين أنّ ذلك مما يؤجرون عليها، يتأوّلون: قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«من كذب عليّ متعمّدا ...» زعموا: أنّهم كذبوا له لا عليه! قالوا: المقصود من الكذب عليه، رميه بالسحر أو الشعر أو الكهانة.
قال أبو حاتم: حدّثني أحمد بن محمّد الجواربي بواسط، عن عليّ بن عبد الرحمن بن المغيرة، قال: سمعت أبا صالح يقول: سمعت بقيّة (هو ابن الوليد كان يروي عمّن دبّ و درج من غير هوادة) يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم[١] يقول- بشأن هذا الحديث-: أن لو قال قائل: النبيّ ساحر أو شاعر أو كاهن.
قال: سمعت عبد اللّه بن جابر بطرسوس يقول: سمعت جعفر بن محمّد الأزدي يقول سمعت محمّد بن عيسى الطبّاع يقول سمعت ابن مهديّ[٢] يقول لميسرة بن عبد ربّه[٣]: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغّب الناس فيها.
النوع الثالث، ما وضعوه جرأة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. قال أبو حاتم: و منهم من كان يضع الحديث على الثقات وضعا استحلالا و جرأة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى أنّ أحدهم كان عامّة ليله يسهر في وضع الحديث، كأبي البختري وهب بن وهب القاضي[٤] و سليمان بن عمرو
[١] هو: أبو إسحاق العجلي البلخي الزاهد، سكن الشام. قال ابن حبان: هو من الثقات كان صابرا على الجهد و الفقه و الورع الدائم و السخاء الوافر إلى أن مات في بلاد الروم سنة ١٦١. قال النسائي: ثقة مأمون أحد الزهّاد. و قال الدارقطني: إذا روى عنه ثقة فهو صحيح الحديث!( تهذيب التهذيب ١: ١٠٣/ ١٧٦).
[٢] هو: عبد الرحمن بن مهديّ بن حسان العنبري أبو سعيد البصري الحافظ الإمام العلم الشامخ( تهذيب التهذيب ٦: ٢٧٩/ ٥٤٩).
[٣] كان ممّن يروي الموضوعات عن الأثبات و يضع الحديث. و هو صاحب حديث فضائل القرآن الطويل- حسبما نذكر-( لسان الميزان ٦: ١٣٨/ ٤٨٠).
[٤] سكن بغداد و ولي قضاء عسكر المهديّ ثمّ قضاء المدينة. ثمّ ولي حرسها و صلاتها و كان جوادا ممدحا، لكنّه متّهم في الحديث.
و ممّا وصموه: أنّه أكذب البريّة أو أكذب الناس طرّا. قال ابن الجارود: كذّاب خبيث، كان عامّة اللّيل يضع الحديث. كان يضع الحديث تزلّفا للأمراء. و هو صاحب حديث القباء الأسود و حديث لا سبق إلّا في جناح. و غيرهما من أحاديث كان يضعها ارتجالا.
و لمّا بلغ ابن مهدي موته قال: الحمد للّه الذي أراح المسلمين منه.( لسان الميزان ٦: ٢٣٣/ ٨٣٠).