إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢١ - التورية وحكمها
الدّار، إذ لا وجه له سوى ذلك. وروي في باب الحِيَل من كتاب الطّلاق للمبسوط: أنّ واحداً من الصّحابة صحب واحداً آخر، فاعترضهما في الطّريق أعداء المصحوب،
لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ»[١]، حيث لو كانت العبرة في الصدق والكذب مطابقة مضمون الكلام للخارج وعدمها، لما كان ما قال المنافقون كذباً، وبأنّه لا ينسب الكذب إلى مثل ما يذكره الفقيه في رسالته العمليّة من الأحكام حتّى فيما إذا كان المذكور فيها اشتباهاً ومخالفاً للأحكام الواقعيّة. فلا يقال: إنّ إخباراته كذب، وإنه قد كذب، بل يقال: إنّه أخطأ واشتبه، وذلك باعتبار أنّ ما يذكره فيها مطابق لما يعتقده... إلى غير ذلك.
ولكن لا يخفى ما فيه، حيث إنّ الشهادة إظهار للعلم بالشيء والإفتاء عبارة عن إظهار نظره واجتهاده في الواقعة، فقول القائل: أشهد بذلك، هو بمنزلة قوله: إنّ لي علماً ويقيناً به، فيكون الخارج الّذي يقاس إليه مطابقة المراد وعدمها هو الاعتقاد والعلم، فمع تطابقهما يكون كلامه صادقاً وفي عدمه كاذباً. وكذا قول المفتي بأنّ الواقعة الفلانيّة حكمها كذا، إظهار لفتواه ونظره في تلك الواقعة، ويكون خبره صادقاً مع كون خبره مطابقاً لنظره واجتهاده، حتّى فيما إذا اشتبه وأدّى إلى خلاف الحكم الواقعيّ... وهكذا.
بقي في المقام أمر، وهو أنّ الواقع إذا كان من الامور الراجعة إلى الدّين اعتقاديّاً أو عمليّاً، فالإخبار به من غير علم محرّم كما يستفاد ذلك من قوله سبحانه: «آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ»[٢].
[١] سورة المنافقون: الآية ١.
[٢] سورة يونس: الآية ٥٩.